القاهرة: الأمير كمال فرج.
إذا زرت عيادة طبيب خلال العامين أو الثلاثة الأعوام الماضية، فهناك احتمال كبير أن يكون طبيبك قد استعان ببرمجيات "الكاتب الرقمي" (AI Scribe)؛ وهي أدوات متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي للاستماع إلى الحوار الطبي، وتفريغه، ثم تنظيمه تلقائياً في شكل ملاحظات وسجلات طبية رسمية لتخفيف الأعباء الإدارية. الفكرة تبدو مذهلة في ظاهرها لإنقاذ الأطباء من مقبرة الأوراق، لكن الواقع العملي يكشف عن ثغرات مهنية خطيرة.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "المفتشة العامة لمقاطعة أونتاريو الكندية — وهي مسؤولة المساءلة التابعة للجمعية التشريعية — أصدرت تقريراً خاصاً ومثيراً للقلق، حذرت فيه من أن هذه البرمجيات الطبية لم تخضع للتقييم الكافي قبل إتاحتها، وأنها قد تقدم معلومات مختلقة بالكامل ومزيفة للمهنيين الطبيين".
كل الأنظمة بلا استثناء أخطأت" 📉
التقرير، الذي نشرت تفاصيله الأولى شبكة Global News الإخبارية، فحص 20 منصة معتمدة من قِبل الحكومة للكتابة الرقمية بالذكاء الاصطناعي. وجاءت النتيجة صادمة؛ إذ أظهرت جميع الأنظمة دون استثناء خطأً واحداً أو أكثر خلال مرحلة اختبارات التوريد والتقييم. وتنوعت هذه الأخطاء بين الهلوسة واختلاق البيانات، وتقديم معلومات مغلوطة، فضلاً عن إسقاط تفاصيل حيوية من السجلات.
وذكر تقرير المفتشة العامة لأونتاريو "إن وجود أخطاء في الملاحظات الطبية التي تولدها أنظمة الكتابة الرقمية بالذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى وضع خطط علاجية غير ملائمة أو ضارة، مما يؤثر سلباً بشكل محتمل على سلامة المرضى والنتائج الصحية لهم."
هلوسة في المختبر 🔔
ورداً على هذه المخاوف، حاول ستيفن كروفورد، وزير تقديم الخدمات العامة والحكومية والمشتريات في أونتاريو، تهدئة الرأي العام، مشيراً إلى أن هذه "الهلوسات" رُصدت خلال مرحلة التقييم والاختبار الرسمية من قِبل الجهات التنظيمية في الدولة، ولم تُسجل كحالات تضرر فعلي أثناء الفحوصات الطبية المباشرة.
وقال كروفورد لشبكة Global News : "لنكن واضحين تماماً؛ هذه الأنظمة ليست قيد الاستخدام الفعلي حالياً في العمليات التشغيلية للأطباء، بل نحن في مرحلة اختيارية نقوم فيها بمراجعة وتقييم مختلف برمجيات الكتابة الرقمية".
ومع ذلك، أثارت المفتشة العامة شيلّي سبينس نقطة مغايرة، مؤكدة أن هذه البرمجيات في الخدمة بالفعل ويستخدمها نحو 5 آلاف طبيب في أونتاريو حالياً. وقالت للصحفيين إنها ذهبت للقاء طبيبها الخاص مؤخراً، ورأته يستخدم البرنامج، مما دفعها لطلب مراجعة النص المكتوب بنفسها بعد انتهاء الفحص للتأكد من دقته وعدم اختلاقه لأي تفاصيل.
أزمة عابرة للحدود 👁️
هذه الأزمة لا تقتصر على المنظومة الصحية الكندية؛ ففي الولايات المتحدة، يواجه نظام إلكتروني شهير ومستخدم على نطاق واسع في الأوساط الطبية يُدعى OpenEvidence انتقادات متزايدة وضغوطاً رقابية بسبب تقديم إجابات غير مكتملة وهلوسات رقمية.
وأوضح أطباء لشبكة NBC News أن هذا النظام يميل أحياناً إلى بناء استنتاجات طبية قاطعة وقوية بناءً على دراسات سريرية أجريت على عينات صغيرة جداً وغير كافية، مما قد يضلل الطبيب في تحديد بروتوكول العلاج المناسب للحالات المعقدة.
ورغم أن قطاعاً عريضاً من الأطباء لا يزال يبدي تقديره الكبير لهذه الأدوات الرقمية لكونها توفر ساعات طوال من العمل المكتبي الروتيني، يبقى السؤال معلقاً في الأوساط الصحية الدولية: كيف ستصمد هذه الأنظمة أمام شروط الواقع المعقدة؟ وكيف سيحكم عليها المجتمع الطبي بمجرد أن تخبو موجة الانبهار الحالية بالذكاء الاصطناعي ويحل محلها التدقيق الصارم؟