القاهرة: الأمير كمال فرج.
لطالما كان العرق والملامح الأصلية للمصريين القدماء موضوعاً مثيراً للجدل والنقاش المستمر بين علماء المصريات والمؤرخين والباحثين منذ سبعينيات القرن الماضي؛ إذ ذهب بعضهم إلى تصنيفهم كأفارقة من منطقة جنوب الصحراء الكبرى، بينما حاولت جماعات أخرى متطرفة استغلال بيانات فصائل الدم للادعاء بوجود أصول "نوردية" (أوروبية شمالية) للملك توت عنخ آمون وأسلافه.
ولكن كشف علمي حاسم أعاد النقاشات العالمية حول الهوية المصرية القديمة؛ إذ يمثل الرمز الوراثي المستخلص رداً علمياً فاصلاً يفند ادعاءات حركة الأفروسنتريك التي تحاول نسب الحضارة الفرعونية عرقياً لوسط وجنوب القارة الإفريقية، مثلما يقطع الطريق على نظريات المركزية الأوروبية القديمة، ليعيد الفراعنة علمياً إلى حاضنتهم الطبيعية في الشرق الأدنى وحوض البحر الأبيض المتوسط.
ذكر فيليب بيري في تقرير نشره موقع Big Think "فريق علمي دولي، نجح عبر تقنيات متطورة، في كسر العائق التاريخي المتمثل في صعوبة استخلاص المادة الوراثية من المومياوات، ليعلنوا عن أول فك ناجح للشفرة الجينية (DNA) للفراعنة، واضعين حداً جينياً وعلمياً حاسماً لهذا اللغز التاريخي".
الفراعنة وأقارب الشرق الأدنى 🌍
كشفت الدراسة الرائدة، التي نشرتها مجلة Nature Communications العلمية، أن المصريين القدماء كانوا أكثر قرابة من الناحية الجينية لشعوب الشرق الأدنى، وتحديداً سكان منطقة بلاد الشام (التي تضم اليوم سوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين، بالإضافة إلى تركيا والعراق).
وقد أجريت الاختبارات على مومياوات تعود إلى عصر الدولة الحديثة وعصور لاحقة تلتها، وصولاً إلى الحقبة التي خضعت فيها مصر للحكم الروماني.
وأظهرت المقارنات الوراثية نتائج دقيقة حول التطور الديموغرافي لسكان ضفاف النيل:
8% فقط هي نسبة الجينات المشتركة بين المصريين المعاصرين وسكان وسط إفريقيا، وهي نسبة أعلى بكثير مما كانت عليه لدى الفراعنة القدماء.
1500 عام الأخيرة هي الفترة التي تدفق فيها الخزان الجيني من جنوب الصحراء الكبرى إلى مصر، وهو ما يعزوه الباحثون إلى نشاط تجارة الرقيق عبر الصحراء، أو نمو حركة التجارة العادية بعيدة المدى، وتحسن آليات الملاحة عبر نهر النيل.
استقرار جيني صمد أمام الغزاة 🏺
رغم أن مصر تعرضت عبر تاريخها الممتد لسلسلة طويلة من الاجتياحات والفتوحات (من الإسكندر الأكبر والبطالمة، إلى الرومان، ثم الفتح الإسلامي وغيرها)، إلا أن السؤال الأبرز كان: هل غيرت هذه الموجات المتعاقبة من الغزاة التركيبة الجينية للشعب؟
يجيب وولفجانج هاك، قائد المجموعة البحثية في معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري في ألمانيا، في بيان صحفي: "لم تشهد جينات مجتمع (أبو صير الملق) أي تحولات كبرى خلال فترة الـ 1300 عام التي شملتها الدراسة، مما يشير إلى أن السكان ظلوا غير متأثرين وراثياً تقريباً بالفتوحات والحكم الأجنبي".
انتصار علمي في بيئة قاسية 🧪
قاد دراسة الآثار الجينية العالم يوهانز كراوزي من معهد ماكس بلانك. وكان التحدي الأكبر تاريخياً هو العثور على حمض نووي سليم؛ نظراً لأن المناخ المصري الحار، ومستويات الرطوبة العالية في المقابر، فضلاً عن المواد الكيميائية المستخدمة في عمليات التحنيط، تساهم جميعها في تدمير الروابط الوراثية وتجعل بقاءها أمراً شبه مستحيل.
لكن كراوزي وزملائه أدخلوا تقنيات مخرجات عالية لتسلسل الحمض النووي وأساليب تحقق صارمة، ونجحوا في تطبيق أول فحص جينومي كامل على مومياوات استُخرجت من موقع "أبو صير الملق" الأثري (وهي مقبرة تقع على ضفاف النيل على بُعد 115 كم جنوب القاهرة، وتتميز بمقابر تعكس الولاء لعبادة إله البعث والآخرة أوزوريس).
قام العلماء بالخطوات التالية لمعالجة العينات:
استخلاص الجينوم الميتوكوندري من 90 مومياء.
النجاح في قراءة الجينوم الكامل لثلاث مومياوات بدقة متناهية من خلال عينات من الأسنان والعظام والأنسجة الرخوة (حيث وفرت العظام والأسنان الحماية الكبرى للحمض النووي بفضل إحاطتها بالأنسجة المحنطة).
نقل العينات إلى مختبر معقم بالكامل في ألمانيا، وتعريضها للأشعة فوق البنفسجية لمدة ساعة لتطهيرها تماماً قبل بدء عملية التسلسل الجيني.
تواصل ممتد ومحددات مستقبلية 👁️
لمنح الاكتشاف سياقاً تاريخياً، قارن العلماء جينوم المومياوات بجينوم 100 مصري معاصر و125 إثيوبياً. وصرح كراوزي: "على مدى 1300 عام، رصدنا استمراراً جينياً كاملاً". يمتد هذا الجدول الزمني من أقدم مومياء نجح فحصها وتعود إلى عصر الدولة الحديثة (عام 1388 قبل الميلاد) عندما كانت مصر في أوج مجدها وقوتها، وحتى أحدث مومياء وتعود إلى عام 426 ميلادية تحت الحكم الروماني.
ومع هذا الإنجاز، أشار التقرير إلى وجود "محددات علمية"؛ حيث أن جميع البيانات الوراثية تم الحصول عليها من موقع أثري واحد في مصر الوسطى، وقد لا تمثل بالضرورة الخريطة الجينية لمصر القديمة بأكملها؛ إذ يرجح العلماء أن التركيبة الجينية في جنوب مصر (الصعيد) ربما كانت مختلفة ومتقاربة أكثر مع عمق القارة الإفريقية.
يتطلع الباحثون في المراحل المقبلة إلى تحديد الوقت الدقيق الذي تمازجت فيه جينات إفريقيا جنوب الصحراء مع الجينوم المصري والوقوف على أسباب ذلك، إلى جانب البحث عن عينات أقدم تعيد فتح ملف الأصول الوراثية إلى "عصور ما قبل التاريخ"، لملء الفجوات المتبقية في الذاكرة الجماعية للبشرية.