القاهرة: الأمير كمال فرج
هل صادفت يوماً مقالاً إخبارياً على الإنترنت وشعرت بأن ثمة «خيوطاً خفية» غير مريحة تشوب صياغته؟ قد لا يكون هذا مجرد شك عابر، بل هو عين الحقيقة في زمن يواجه فيه العمل الصحفي هجمة شرسة من قِبل شبكات التزييف الرقمي.
ذكرت ماجي هاريسون دوبري في تقرر نشرته مجلة Futurism "في واحدة من أخطر قضايا التزييف الإعلامي، أسفر تحقيق استقصائي مشترك أجرته صحيفة The Florida Trib بالتعاون مع البودكاست الاستقصائي الشهير Question Everything التابع لإذاعة KCRW، عن تفكيك شبكة إعلامية وهمية بالكامل، كانت تقدم نفسها للجمهور باعتبارها «منصة رقمية مستقلة تحت اسم South Florida Standard".
التحقيق أثبت أن المنصة لم تكن سوى واجهة مصطنعة أو «قرية بوتمكين» رقمية، يديرها طاقم كامل من الصحفيين الافتراضيين الذين جرى تخليقهم عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
🎭 وجوه وهمية وسير ذاتية معلبة
لم يتوقف الأمر عند حدود توليد النصوص، بل إن القائمين على هذا الموقع المصطنع عمدوا إلى إنشاء ملفات تعريفية متكاملة لـ «صحفيين أشباح»، مستخدمين صوراً شخصية مولّدة بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، وصاغوا لهم سيراً ذاتية وخلفيات مهنية مفبركة بدقة تتناسب مع التخصصات والملفات الصحفية التي يغطونها.
هذه الممارسة، التي باتت اليوم العلامة الفارقة للصحافة المزيفة، مكّنت الموقع من ضخ كميات هائلة من المواد والتقارير الإخبارية بمعدلات تدفق لا يمكن لطاقة البشر مجاراتها، وتبين لاحقاً بعد الفحص والتدقيق أن النسبة العظمى من هذا المحتوى جرى قرصنتها وسرقتها أدبياً من وسائل إعلامية محلية رصينة.
وفور قيام صحيفة فلوريدا تريب بنشر تفاصيل التحقيق وكشف الهويات المزيفة لطاقم العمل، سارعت الجهة المشغلة إلى إغلاق المنصة وحجبها عن شبكة الإنترنت بالكامل في محاولة لمحو أثر الجريمة الرقمية.
🔍 اقتفاء الأثر: من الشاشة إلى «المصلح الرقمي»
لم تقف جهود الفريق الاستقصائي عند حدود رصد زيف المحتوى، بل قادهم الفضول المهني بمساعدة كاسي فريشيت، أستاذ الصحافة بجامعة جنوب فلوريدا، إلى تتبع البصمات الرقمية والخوادم المشغلة للموقع.
كشفت عمليات التتبع والتحليل التقني أن منصة South Florida Standard ليست جزيرة معزولة، بل هي جزء من كارتل رقمي أوسع يضم مواقع إخبارية مشابهة في ولايات أخرى، من بينها: تشارلستون سينتينيل (Charleston Sentinel) في ولاية كارولاينا الجنوبية، وسان فرانسيسكو داونلود (San Francisco Download) في ولاية كاليفورنيا.
وبتقصي خطوط الملكية الرقمية وعناوين البروتوكولات، تبيّن أن الخيوط كلها تتشابك لتصل إلى شخص واحد مقيم في مدينة فيلادلفيا يُدعى درو تشابين، وهو المدير التنفيذي لشركة متخصصة في إدارة السمعة والصورة الذهنية تُدعى The Discoverability Company. والمفارقة أن تشابين يعرّف نفسه على موقع شركته الرسمي بأنه: "وسيط ومصلح رقمي للأفراد والشركات الذين يحتاجون إلى إعادة صياغة حضورهم على الإنترنت لتقديم رواية وفصل أفضل عنهم."
💵 تجارة النطاقات و«تسمين» المواقع
في بداية المواجهة الصحفية، حاولت إدارة موقع South Florida Standard — عبر رد مكتوب من إداري مجهول الهوية — التنصل من أي صلة تجمعها بتشابين، وزعمت الإدارة في دفاعها أن الموقع يمثل مشروعاً استثمارياً ناشئاً يجري تطويره برمجياً بهدف بناء وتنمية «سلطة الموقع» Search Engine Authority على محركات البحث العالمية مثل Google، تمهيداً لبيعه لاحقاً لمستثمر في قطاع الإعلام أو لنشرة بريدية رقمية.
وبتعبير آخر، كانت الخطة تعتمد على استخدام الذكاء الاصطناعي لـ «تسمين» النطاق الرقمي بركام من الأخبار المفبركة لرفع قيمته السوقية قبل إعادة بيعه.
إلا أن الإصرار المهني للفريق الاستقصائي ومحاصرته بالأدلة الدامغة، أجبرا تشابين في نهاية المطاف على الاعتراف الكامل. ولم يتوقف اعترافه عند حدود ملكية موقع فلوريدا، بل أقر بإدارته لـ 17 منصة رقمية مماثلة تعمل بالآلية الافتراضية ذاتها.
وفي تصريح صادم يعكس عمق الأزمة الأخلاقية والمهنية التي تفرضها التكنولوجيا، كشف تشابين أن صناعة صحيفة محلية كاملة لم تعد تتطلب اليوم أكثر من: شراء نطاق رقمي (Domain) بقيمة 10 دولارات فقط، واستخدام أدوات ونماذج لغوية محدودة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، 20 دقيقة فقط من العمل ليكون الموقع جاهزاً لضخ الأخبار.
⚠️ ظاهرة «بينك سلايم»
يُطلق مصطلح «مواقع اللحم الوردي» Pink Slime Sites: في الأوساط الصحفية والإعلامية العالمية على المواقع والمنصات الرقمية الوهمية التي تقف وراءها أجندات سياسية، أو مصالح تجارية مشبوهة، وتتخفى في ثوب صحف محلية لكسب ثقة القراء وتوجيه الرأي العام أو غسيل السمعة.
إن ظاهرة مواقع «بينك سلايم» ليست وليدة اليوم، لكنها باتت تشهد قفزة مخيفة بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت عملية إنتاج الزيف وتدوير الأخبار أقل كلفة وأسرع تنفيذاً من أي وقت مضى، مما يضع مصداقية الخبر المحلي على المحك.
إن هذا التحقيق يدق ناقوس الخطر حول مستقبل التدفق المعلوماتي؛ فعندما تختفي الفواصل بين الصحفي الحقيقي والكيان الخوارزمي، تصبح الحقيقة هي الضحية الأولى. لذا، في المرة القادمة التي تتصفح فيها خبراً محلياً، تذكر دائماً أهمية التحقق من هوية الكاتب، وتأكد من أنك تستقي معلوماتك من منصات يمارس فيها الصحفيون الحقيقيون دورهم على الأرض، وليس من أشباح رقمية تولدت في غضون عشرين دقيقة