القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على إعادة تشكيل أسواق العمل أو اختراق الخصوصية في المؤسسات التعليمية، بل امتد ليتوغل في أعمق التصورات البشرية عن الذات ومقاييس الجمال الطبيعية. وفي تحولٍ سريالي يعكس الفجوة الآخذة في الاتساع بين الواقع والافتراض، يواجه أطباء التجميل اليوم موجة غير مسبوقة من المرضى الذين يسعون عبر مشرط الجراحة إلى تحويل وجوههم إلى نسخ حية من صورهم المولّدة رقمياً.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "الحياة باتت تحاكي فن الذكاء الاصطناعي في أكثر صورها تطرفاً؛ هذا ما يؤكده جراحو التجميل الذين تتدفق عليهم مؤخراً حالات لمرضى يطالبون بتعديل ملامحهم لتطابق نسخاً افتراضية لأنفسهم جرى توليدها عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي".
وتتميز هذه الصور بملامح كرتونية مبالغ فيها وتفتقر إلى أي واقعية تشريحية، في أحدث مؤشر قاتم على كيفية استغلال هذه التقنية للمخاوف والعيوب النفسية لدى الأفراد، وإعادة صياغتها لمعايير الجمال الإنساني.
وفي هذا السياق، كشفت راشيل ويستباي، طبيبة الأمراض الجلدية والتجميل في نيويورك، عن حالة مريضة جلبت إلى عيادتها صورة أقرب إلى الرسوم الكاريكاتورية، بعيون ضخمة تشبه عيون الدمى، أُنتجت بواسطة ChatGPT.
وصرحت ويستباي لمنصة Business Insider قائلة: الأمر أشبه بأن تأتي مريضة وتقول لي أريد أن أصبح مثل شخصية آريل في فيلم حورية البحر الصغيرة، لقد صُدمت حقاً من هذا الطلب. ووصف خبراء هذه الجمالية الرقمية الطارئة بإطلالة دمية براتز، والتي تتسم بشفاه تفتقر للمقاييس الطبيعية، وعيون مفرطة الاتساع، وفك منحوت بحدة هندسية.
تشويه الإدراك والذهان الرقمي
ولم يكن الذكاء الاصطناعي التكنولوجيا الرقمية الأولى التي تشوه إدراك الناس لذواتهم وتعزز معايير جمال غير صحية؛ إذ سبقتها إلى ذلك فلاتر تطبيق سناب شات والبيئة الافتراضية التي يقودها المؤثرون على منصات التواصل الاجتماعي.
بيد أن القدرة التي يمتلكها الذكاء الاصطناعي على تزييف التفكير وتغذية الهواجس النفسية تفوق أي تقنية عرفتها البشرية، وهو ما يفسر الارتفاع المقلق لحالات الذهان المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عالمياً.
وخلافاً للفلاتر التقليدية الثابتة، تتيح أدوات الصور المعتمدة على الذكاء الاصطناعي خيارات تخصيص غير محدودة، فضلاً عن دور روبوتات الدردشة المرافقة التي تملك قدرة تملقية عالية توهم المستخدم بأن ملامحه الرقمية المعدلة ليست مجرد ترقية لمظهره، بل هي هدف واقعي وقابل للتحقيق الفعلي.
ويحمل مصطلح الذكاء الاصطناعي في حد ذاته ثقلاً وموثوقية لا توفرها فلاتر التجميل العادية؛ فبينما يجهل الفلتر طبيعة وجه المستخدم، يعطي روبوت الدردشة انطباعاً زائفاً بأنه يفهم أبعاد وملامح الشخص ويثني عليها، مما يدفع محدودي الوعي التقني إلى تصديق هذا الوهم.
معركة السلطة المهنية
هذا التمدد الرقمي يضع جراحي التجميل في مواجهة معقدة؛ حيث باتت سلطتهم المهنية والعلمية مهددة من قِبل خوارزميات تملقية مضللة. وكشف استطلاع رأي نشره مركز بيت ديكونيس الطبي، ونقلته Business Insider، أن المرضى الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتعديل صورهم الشخصية يأتون إلى العيادات بتوقعات تفوق القدرات الطبية والبشرية بشكل صارخ.
ويروي ساشين شريداراني، وهو جراح تجميل بارز في مانهاتن، واقعة لامرأة في السبعينيات من عمرها قصدت عيادته حاملة صورة لنفسها عُدلت بالذكاء الاصطناعي، مطالبة بما أسمته آلة زمن جراحية لتبدو مطابقة لحفيدتها التي تصغرها بأربعين عاماً.
وأوضح شريداراني للمنصة: حاولت بشتى الطرق العلمية أن أشرح لها أننا لا نستطيع طبياً إعادة ابتكار مظهرها القديم الذي كانت عليه في شبابها، لكنها ظلت مصرّة على موقفها ورافضة للحجج الطبية.
محاولات للاحتواء ومخاطر بديلة
وفي محاولة لمواجهة هذا المد، يرى بعض المتخصصين في قطاع التجميل إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز سلطتهم المهنية بدلاً من محاربتها؛ فالتوقعات غير الواقعية والصدامات بين المرضى والأطباء ليست أمراً جديداً في العيادات. ومن الناحية النظرية، يمكن لأنظمة ذكاء اصطناعي طبية ومتخصصة أن تساعد في محاكاة الإجراءات الجراحية بدقة وواقعية علمية، وفقاً لما يقترحه جاستن ساكس، جراح التجميل والترميم في جامعة واشنطن.
وقال ساكس لـ Business Insider: هل تتخيل طبيعة النقاش وضبط التوقعات الذي يمكن أن يتحقق بعد هذه المحاكاة العلمية داخل العيادة؟. ستكون النتائج والسيطرة على توقعات المرضى مذهلة.
ومع ذلك، فإن هذا التوجه لا يخلو بدوره من المخاطر؛ فدخول الذكاء الاصطناعي كطرف في التشخيص والمحاكاة قد يخلق اعتمادية مفرطة من قِبل الأطباء على تكنولوجيا لا تزال حتى اليوم تفتقر إلى الثبات وعرضة للأخطاء الكارثية، مما يفتح الباب أمام أزمات طبية وأخلاقية جديدة في مستقبل المهنة.