القاهرة: الأمير كمال فرج.
في زمن الأسرة السادسة من تاريخ مصر القديمة، حين كانت الأهرامات لا تزال تلمع بكسوتها البيضاء تحت شمس وادي النيل، وحين شكّل النيل العمود الفقري لحضارة تُعد من أعظم حضارات البشر، برز اسم «ني عنخ بيبي كِم» كواحد من أبرز رجال الدولة في عهد الملك بيبي الأول مريرع (2289 ـ 2255 ق.م).
فالرجل لم يكن موظفاً عادياً في البلاط الملكي، بل تقلّد مناصب بالغة النفوذ، من بينها «مشرف صعيد مصر» و«مستشار ملك الوجه البحري» و«مشرف الكهنة»، جامعاً بين السلطة الإدارية والمكانة الدينية في دولة قامت على القداسة والنظام الصارم.
ذكر ماركو ميزاو في تقرير نشره موقع Medium إن "ما أعاد اسم «ني عنخ بيبي كِم» إلى دائرة الاهتمام بعد أكثر من أربعة آلاف عام، لم يكن مناصبه الرفيعة، بل الطريقة التي خُلّد بها في أحد التماثيل الأثرية، حيث ظهر حاملاً ما يشبه بشكل لافت حقيبة ظهر عصرية، في مشهد أثار دهشة الباحثين ورواد مواقع التواصل على حد سواء".
نعم، حقيبة ظهر بالفعل.
ففي هذا التمثال الحجري ـ المعروض داخل المتحف المصري ـ يظهر الرجل، الذي عاش قبل أكثر من أربعة آلاف عام، حاملاً ما يبدو بصورة لافتة كحقيبة ظهر عصرية التصميم. حقيبة لا تبدو بعيدة عن منصات عروض الأزياء الفاخرة أو واجهات المتاجر الراقية في ميلانو. وقد تبدو المسألة للوهلة الأولى مجرد مصادفة بصرية، لكنها تفتح باباً واسعاً للتأمل في مدى التقدم الجمالي والعملي الذي بلغته الحضارة المصرية القديمة، وكيف ما تزال ابتكاراتها قادرة على إلهام العالم حتى اليوم.
مهد الابتكار الإنساني
غالباً ما تُوصف مصر بأنها «مهد الحضارة»، لكن هذا التعبير بالكاد يلامس الحقيقة. فمصر لم تكن مجرد حضارة سبقت غيرها زمنياً، بل كانت الحضارة التي استضافت البداية نفسها، وحددت الإيقاع، وشيدت البنية، وابتكرت قواعد اللعبة.
فالكتابة الهيروغليفية لم تكن مجرد وسيلة تدوين، بل أول نظام بصري متطور للغة عرفه الإنسان. أما الأهرامات فلم تكن مجرد مقابر، بل مراصد فلكية وألغاز رياضية ومعجزات معمارية ما تزال طرق بنائها تحيّر المهندسين حتى اليوم.
كما شهدت مصر القديمة ابتكارات ثورية في تخطيط المدن، وأنظمة الري، والتقويم، والطب، ومستحضرات التجميل، والأدوات الجراحية، قبل ظهور نظيراتها في أماكن أخرى بآلاف السنين . أما حقيبة الظهر تلك، فهي مجرد شاهد إضافي على مدى التقدم الفكري الذي بلغته مصر القديمة.
إرث من العبقرية الهندسية
عظمة مصر لم تُنحت فقط على جدران المعابد أو تُخفَ داخل الطقوس، بل كانت عظمة قائمة على الهندسة والمعرفة. فخلف كل عمود ومقبرة ومحاذاة مقدسة، كانت توجد إمبراطورية من العلوم والخبرات.
ومن الحسابات الفلكية الدقيقة إلى علوم المواد المتقدمة، بدت مصر القديمة وكأنها «وادي سيليكون» العالم القديم، لكن بمعابد بدلاً من الشركات الناشئة، وفراعنة بدلاً من أصحاب رؤوس الأموال.
نحن نعجب بالماضي، لكننا ننسى كثيراً أن الأدوات التي نستخدمها اليوم — من الهندسة المعمارية إلى التقويمات القمرية في الزراعة حتى عالم الأزياء — تقوم في جذورها على أسس مصرية قديمة.
لماذا يبدو هذا مهماً اليوم؟
في عصر يتشكل بالابتكار والذكاء الاصطناعي والتحولات العالمية، تبدو الحضارة المصرية القديمة أكثر راهنية من أي وقت مضى. فهي تذكرنا بأن الرؤية المستقبلية ليست فكرة جديدة، بل قيمة خالدة. وأن أسلافنا لم يكونوا بدائيين كما يُصوَّر أحياناً، بل أصحاب بصيرة وفهم عميق. وأن الإبداع الحقيقي غالباً ما ينبع من القدرة على رؤية المستقبل بعيون متجذرة في الماضي.
لذلك، في المرة المقبلة التي تشاهد فيها حقيبة غوتشي فاخرة على منصة أزياء، أو مصمماً تقنياً يحاول «إعادة تعريف التقاليد»، تذكّر فقط: «ني عنخ بيبي كِم» ارتداها أولاً.