القاهرة: الأمير كمال فرج.
يبدو أن المشهد الإعلامي العالمي يستعد لقرع ناقوس الخطر مرتين؛ الأولى إيذاناً بأفول نجم محرك البحث التقليدي الذي عهدناه طوال العقود الماضية، والأخرى لتأبين ما تبقى من هرم الصحافة وصناعة النشر.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة إن "شركة Google أعلنت عن حزمة تغييرات جذرية طالت بنيتها التحتية وصفحتها الرئيسية؛ وهي خطوة لن تقتصر على تغيير شكل صندوق البحث الكلاسيكي فحسب، بل ستعيد صياغة منظومة الويب بأكملها".
الواجهة الجديدة تتحول رسمياً إلى شريط بحث ذكي يتسع ليقدم تجربة تفاعلية شبيهة بروبوتات الدردشة، ويدمج ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عصب العملية البحثية. التصميم المبتكر يشجع المستخدم على صياغة أسئلة مطولة ومعقدة، مدعوماً بميزة الإكمال التلقائي التي تساعد في بلورة الأفكار.
هذا الأسلوب الجديد في الطرح سيقود مباشرة إلى تفعيل ميزة نظرات عامة بالذكاء الاصطناعي، وهي الملخصات التلقائية التي تظهر في الصدارة فوق نتائج البحث التقليدية، رغم ما يحيط بها من انتقادات مستمرة تتعلق بعدم موثوقيتها وفشلها في تحري الدقة. وتزعم Google أن محركها بات مصمماً للتنبؤ بنوايا المستخدم، مما يتيح له الانتقال إلى وضع الذكاء الاصطناعي الكامل، والذي يسمح بتحميل وتحليل الصور والمستندات مباشرة.
📉 معضلة التجريف الرقمي
التحول الأكثر خطورة وتأثيراً في هذه الهيكلية الجديدة يكمن في طبيعة المخرجات؛ فبدلاً من تقديم قائمة مرتبة من الروابط التي تحيل القارئ إلى المواقع والمنصات صاحبة المحتوى الأصلي، سيتلقى المستخدم إجابات سردية جاهزة بأسلوب حواري.
هذا التوجه، الذي يتزامن مع التوسع العنيف لروبوتات الدردشة، يعني ببساطة قطع شريان الحياة عن المواقع التي يقتبس الذكاء الاصطناعي إجاباته منها. فالقارئ يحصل على المعلومة كاملة في صفحة Google ، دون أن يضطر لنقر رابط واحد أو زيارة الموقع المصدر.
⚠️ رصاصة الرحمة
يمثل هذا المسار خبراً كارثياً لأي نشاط تجاري يعتمد على حركة تدفق الزوار وعائدات الإعلانات الرقمية للاستمرار، وتحديداً قطاع الصحافة الذي خاض لسنوات معارك ضارية للتكيف مع شروط عصر الإنترنت، في وقت تتراجع فيه رغبة الجماهير في الدفع مقابل الوصول إلى المعرفة. والآن، ومع قدرة الآلة على احتواء المنتج الإخباري وإعادة صياغته في ثوانٍ، يبدو أننا نشهد كتابة السطر الأخير في مسيرة شريحة واسعة من المؤسسات الإعلامية.
📊 وتؤكد الأرقام عمق هذه الأزمة:
تراجع النقر: كشفت دراسة متخصصة أن احتمالية نقر المستخدمين على الروابط تنخفض بنسبة 58% بمجرد ظهور ملخص الذكاء الاصطناعي في أعلى الصفحة.
انهيار التدفق: أفاد تقرير آخر بأن 10 من كبريات المنصات الإخبارية التقنية خسرت ما يصل إلى 97% من زوارها القادمين من غوغل داخل الولايات المتحدة بعد اعتماد تلك الملخصات.
🔮 شتاء الصحافة
أمام هذا التغول التكنولوجي، يبرز السؤال الملح: إذا انكفأ الجمهور عن زيارة المواقع الإخبارية لاعتمادهم على "نسخ Google " للمحتوى، فكيف ستتمكن هذه المنصات من تمويل غرف أخبارها؟
الإجابة الواقعية التي يتداولها صناع القرار في الحقل الإعلامي تبدو قاتمة؛ حيث أظهر استطلاع رأي شمل مئات القيادات الإعلامية وأجراه معهد رويترز لدراسة الصحافة، أن التوقعات تشير في المتوسط إلى انهيار حركة تصفح المواقع الإخبارية بمقدار النصف تقريباً خلال السنوات الثلاث المقبلة.
هذه المخاوف الوجودية لم تبقَ حبيسة التقارير، بل تُرجمت بالفعل إلى موجات تسريحات جماعية للموظفين والصحفيين في مختلف أنحاء العالم، بينما اندفعت مؤسسات أخرى مرغمة إلى تبني أدوات الذكاء الاصطناعي وتوليد المحتوى آلياً في محاولة يائسة لخفض النفقات وتسريع الإنتاج.
❌ المضلل الأكبر: ملايين الإجابات الخاطئة كل ساعة
وما يثير السخرية ويزيد المشهد قتامة، هو أن البديل الذي يزيح الصحافة الرصينة لا يتمتع بالموثوقية الكافية؛ إذ يظهر تحليل حديث أن نسبة دقة الملخصات التوليدية لـ Google تقارب 91% فقط.
وعند إسقاط هذه النسبة على ترليونات عمليات البحث التي تعالجها Google سنوياً، فإن تلك "الفجوة البسيطة" تعني أن المحرك يضخ عشرات الملايين من الإجابات المغلوطة والمعلومات المضللة في كل ساعة، ليصبح المحرك الذكي أكبر ناشر للمعلومات المشوهة على وجه الأرض، في وقت تُخنق فيه الغرف الصحفية التي تدقق في الحقائق.