القاهرة: روبو أديب.
تجدّدت في الأيام الأخيرة موجة الجدل المرتبطة بخطاب “الأفروسنتريك”، بعد انتشار وتداول صور مُعدّلة أو مولدة بالذكاء الاصطناعي للملك المصري القديم منكاورع — المعروف عربيًا باسم “منقرع” — عبر منصات التواصل ومحركات البحث، بما فيها نتائج متداولة على “جوجل”، بملامح أفريقية سوداء مبالغ فيها، في محاولة جديدة لإعادة تقديم الحضارة المصرية القديمة باعتبارها “حضارة إفريقية سوداء خالصة”، بعيدًا عن الحقائق الأثرية والأنثروبولوجية والتاريخية المعروفة.
وتأتي هذه المحاولة ضمن سلسلة طويلة من السرديات التي يتبناها تيار “الأفروسنتريك”، والذي يسعى منذ عقود إلى إعادة تفسير تاريخ شمال إفريقيا ومصر القديمة عبر منظور أيديولوجي يقوم على نسبة أبرز الحضارات القديمة إلى ما يُعرف بالهوية الإفريقية السوداء المعاصرة، حتى ولو تعارض ذلك مع الأدلة العلمية.
من هو منكاورع؟
يُعدّ الملك منكاورع أحد أشهر ملوك الأسرة الرابعة في الدولة القديمة، وحكم مصر في القرن السادس والعشرين قبل الميلاد تقريبًا، واشتهر ببناء الهرم الثالث في الجيزة، المعروف باسم هرم منقرع.
وقد خلّفت الحضارة المصرية عددًا كبيرًا من التماثيل والنقوش التي تصوّر الملك بملامحه المعروفة وفق الفن المصري القديم، وهي ملامح لا تتطابق مع الصورة المتداولة مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي، والتي بدت أقرب إلى إعادة تشكيل رقمية ذات أبعاد سياسية وهوياتية أكثر منها محاولة علمية لإعادة البناء التاريخي.
ويؤكد علماء المصريات أن صورة منكاورع الحقيقية ليست مجهولة حتى يُعاد اختراعها رقميًا، إذ خلّفت الحضارة المصرية تماثيل أصلية للملك محفوظة منذ آلاف السنين. وقد وصف عالم المصريات المصري سليم حسن تمثالي منكاورع وزوجته بأنهما من “أجمل قطع الفن المصري” في عصر الأسرة الرابعة، في إشارة إلى الأعمال النحتية الأصلية التي توثق هيئة الملك وفق الفن المصري القديم، لا وفق التصورات الأيديولوجية الحديثة.
التلاعب الرقمي بدلًا من الأدلة الأثرية
يعتمد كثير من الخطاب الأفروسنتري الحديث على صور مُعالجة رقميًا أو رسوم تخيلية يُعاد نشرها باعتبارها “تصحيحًا للتاريخ”، رغم أن علم المصريات لا يعتمد على الانطباعات البصرية أو الرغبات الأيديولوجية، بل على:
النقوش الأصلية
التماثيل
تحليل الحمض النووي
الدراسات الأنثروبولوجية
السياق الجغرافي والتاريخي
ويشير متخصصون إلى أن تصوير المصريين القدماء ككتلة عرقية واحدة ذات سمات “إفريقية سوداء” موحدة يتجاهل الطبيعة الحقيقية لمصر القديمة بوصفها منطقة حضارية متوسطية-إفريقية تفاعلت عبر آلاف السنين مع شعوب متعددة من شمال إفريقيا والشرق الأدنى وشرق المتوسط ووادي النيل.
ماذا تقول الدراسات العلمية؟
الدراسات الأثرية والأنثروبولوجية الحديثة لا تدعم الادعاءات التي تطرحها بعض تيارات الأفروسنتريك بشأن “سودانية” أو “زنوجة” الحضارة المصرية القديمة بالمعنى العرقي الحديث.
فقد أظهرت دراسات جينية منشورة خلال السنوات الماضية أن المصريين القدماء كانوا أقرب وراثيًا إلى سكان شمال إفريقيا والشرق الأدنى منهم إلى شعوب إفريقيا جنوب الصحراء، مع وجود تداخلات طبيعية بحكم الموقع الجغرافي والتواصل التجاري والبشري عبر العصور.
كما يؤكد علماء المصريات أن مفاهيم “الأبيض” و”الأسود” الحالية لم تكن موجودة أصلًا بالتصنيفات العرقية الحديثة داخل الوعي المصري القديم، وأن إسقاط التصنيفات السياسية المعاصرة على حضارة عمرها آلاف السنين يُعدّ خطأً منهجيًا كبيرًا.
الخلط بين إفريقيا الجغرافية والهوية العرقية
أحد أبرز مواطن الخلط في الخطاب الأفروسنتري هو التعامل مع كلمة “إفريقي” باعتبارها مرادفًا لـ”الأسود”، رغم أن إفريقيا تضم تنوعًا هائلًا من الشعوب والأعراق والخصائص الحضارية.
فمصر تقع جغرافيًا في إفريقيا بلا شك، لكن هذا لا يعني أن المصريين القدماء كانوا مطابقين عرقيًا لشعوب إفريقيا جنوب الصحراء، تمامًا كما أن وجود دول عربية في آسيا لا يجعل كل الآسيويين عربًا.
ويشير باحثون إلى أن كثيرًا من الأطروحات الأفروسنترية تنطلق من رد فعل تاريخي على العنصرية الغربية والاستعمار الأوروبي، لكنها وقعت أحيانًا في تطرف معاكس يقوم على إعادة كتابة التاريخ وفق اعتبارات الهوية المعاصرة بدلًا من المنهج العلمي.
الذكاء الاصطناعي وصناعة “التاريخ البديل”
ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت عملية إنتاج صور “تاريخية” مزيفة أكثر سهولة وتأثيرًا، إذ يمكن إعادة تشكيل وجوه الشخصيات القديمة بملامح يختارها المستخدم ثم تقديمها للجمهور باعتبارها “حقيقة مخفية”.
ويحذر مختصون من أن هذه الأدوات قد تتحول إلى وسيلة لنشر معلومات مضللة بصريًا، خاصة عندما تُستخدم في قضايا الهوية والتاريخ والحضارات القديمة، حيث يصعب على الجمهور العادي التمييز بين إعادة البناء العلمية والتصميم الدعائي.
الحضارة المصرية أكبر من الصراعات العرقية
ويرى مؤرخون أن الحضارة المصرية القديمة لا يمكن اختزالها في صراع هويات معاصر بين “بيض” و”سود”، لأن المصريين القدماء أنشأوا واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية قبل ظهور هذه التصنيفات السياسية الحديثة بآلاف السنين.
كما أن محاولات “احتكار” الحضارة المصرية لصالح أي خطاب قومي أو عرقي — سواء كان غربيًا أو أفروسنتريًا — تُعدّ تبسيطًا مخلًا لتاريخ معقد ومتشابك تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري والإنساني.
ويبقى الفيصل الحقيقي في دراسة التاريخ هو الدليل العلمي، لا الصور المعدلة، ولا الرغبات الأيديولوجية، ولا معارك الهوية التي تفرض مفاهيم العصر الحديث على عالم قديم مختلف تمامًا في تركيبته وسياقه الحضاري.