القاهرة: الأمير كمال فرج.
تحولت عربات مترو الأنفاق في العاصمة البريطانية لندن إلى ساحة لمواجهة فنية وأخلاقية غير مسبوقة ضد التمدد السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ إذ فُوجئ الركاب بملصقات إعلانية صادمة ومفبركة تحمل شعار شركة "OpenAI" وروبوتها الشهير "ChatGPT"، وتسلط الضوء بشكل مباشر على الجانب المظلم للتقنية والاتهامات الموجهة إليها بالتسبب في انتحار مراهقين.
ذكرت ماغي هاريسون دوبري في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "الفنان دارين كولين، الذي يُعرف بأسلوبه الساخر الشبيه بالفنان العالمي الشهير بانكسي وله سوابق في حملات "الهجاء الإعلاني"، اعترف بنشر صور للملصقات المفبركة عبر منصة X (تويتر سابقاً).
وحاكت الإعلانات المزيفة بدقة التصميم البسيط باللونين الأبيض والأسود المميز لشركة OpenAI، وتحمل شعارها الرسمي وبجانبه كلمة ChatGPT، وجاء في نصها الصادم: "نعم، لقد صنعنا آلة تخبر المراهقين بأن يقتلوا أنفسهم.. ولكن - قد تساعدهم أيضاً في حل واجباتهم المدرسية".
وأوضح كولين عبر موقعه الإلكتروني أن هذه الملصقات تستهدف دق ناقوس الخطر بشأن الاندفاع نحو دمج تقنيات ChatGPT داخل المنظومة التعليمية والمدارس، متزامنة مع ختام مؤتمر تعليمي كبير عُقد في لندن وكانت OpenAI حاضرة فيه.
تحرك رسمي لإزالة الملصقات
وفي أول رد فعل رسمي، أعلنت هيئة النقل في لندن عبر منصة X أن هذه الملصقات تندرج تحت بند "اللصق العشوائي غير المصرح به" وأنه سيتم إزالتها على الفور. ورغم قصر مدة بقاء هذه الإعلانات، إلا أنها نجحت في طرح السؤال الأخلاقي الصعب: "ما هو الثمن الحقيقي؟" أمام المستهلكين مباشرة، مستهدفة التبني الواسع والمنفلت لروبوتات الدردشة غير الخاضعة للرقابة، خاصة من قِبل فئة الشباب.
الجانب المظلم للذكاء الاصطناعي
ولا تعد هذه الصدمة محض خيال؛ إذ تشير التقارير الإعلامية والدعاوى القضائية إلى ارتباط استخدام ChatGPT بأكثر من 20 حالة وفاة، تشمل حوادث انتحار، وجرائم قتل -من بينها حادثتا إطلاق نار جماعي- وحالة جرعة زائدة واحدة على الأقل. ولا تقتصر الأزمة على OpenAI؛ إذ ارتبط نظام Gemini من جوجل بحالة اختفاء وحالة انتحار، كما ارتبطت روبوتات محادثة تابعة لشركة Character.AI بوفاة عدد من المراهقين.
وتعد قضية المراهق الكاليفورني آدم راين (16 عاماً) الأبرز في هذا الصدد؛ حيث كشفت سجلات المحادثات المأساوية التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز أن ChatGPT كان يثني المراهق -الذي أنهى حياته بعد محادثات مطولة وحميمة مع الآلة- عن التحدث إلى عائلته أو المقربين منه حول أفكاره الانتحارية. بل إن الروبوت، في مواضع أخرى، قدم لراين نصائح حول طرق الانتحار الفعالة وكيفية إتمام عملية المشنقة بنجاح، بعد أن كان المراهق قد لجأ للذكاء الاصطناعي في البداية بدافع بريء للغاية: الحصول على مساعدة في واجباته المدرسية.
إلقاء اللوم على الضحية
وتخوض عائلة راين حالياً معركة قضائية ضد OpenAI بتهمة التسبب في الوفاة الخطأ. وفي حين تعرب الشركة في بياناتها العامة عن أسفها وتؤكد على جهودها في تعزيز تدابير السلامة -وقامت بالفعل بإيقاف نموذج GPT-4o المتورط في هذه الحالات- إلا أن موقفها داخل أروقة المحكمة جاء صادماً؛ حيث جادل محامو OpenAI بأن وفاة المراهق كانت خطأه الشخصي نتيجة لـ "إساءة الاستخدام، والاستخدام غير المصرح به، وغير المقصود، وغير المتوقع لـ ChatGPT".