القاهرة: الأمير كمال فرج.
يتسابق مؤسسو شركات التكنولوجيا ورؤساؤها التنفيذيون لتبني الذكاء الاصطناعي، ونشره في قطاعات شركاتهم، والاعتماد عليه شخصيًا لإنجاز رسائل البريد الإلكتروني والمهام الروتينية المستهلكة للوقت. ولكن هناك من تمرد على هذه الصورة وقدم رأيا مغايرا لذلك.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن "بول غراهام، الشريك المؤسس لحاضنة أعمال الشركات الناشئة Y Combinator وأحد أبرز الأسماء المرموقة في سيليكون فالي، بدأ يضيق ذرعًا بهيمنة هذه التقنية؛ إذ بات يغلق على الفور رسائل عروض المشاريع التي تصله بمجرد شعوره بأنها صيغت عبر الذكاء الاصطناعي".
كتب غراهام هذا الأسبوع: إن الكثير من رسائل البريد الإلكتروني التي أتلقاها من المؤسسين باتت تُكتب بأسلوب صحفي رصين وقوي. وأنا أعلم أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، لأنه لم يسبق لأي مؤسس أن كتب بهذا الأسلوب من قبل. وبمجرد أن تدرك أن النص مكتوب عبر هذه التقنية، يصبح من الصعب ألا تتجاهله.
ولن يكون من قبيل المبالغة القول إن مشاعره تجاه هذا الأمر كانت متضاربة؛ إذ أضاف غراهام: لم يحدث قط أن أكملت قراءة رسالة بريد إلكتروني حملت توقيع بشر وصاغها الذكاء الاصطناعي، فذلك يبدو كأنه محاولة للخداع، ومَن ذا الذي يقبل بالخداع؟.
جرس إنذار للمستثمرين
وينبغي أن تمثل هذه الكلمات جرس إنذار للرؤساء التنفيذيين لشركات التقنية، هذا إذا لم يكونوا مستغرقين تمامًا في تلقي النصائح المتملقة من برامج الدردشة الآلية. وتكمن المفارقة في أن غراهام، الذي تحظى كلمته بوزن ثقيل في الأوساط التقنية، يعد تاريخيًا من أكبر الداعمين والمستثمرين في مجال الذكاء الاصطناعي؛ فقبل شهر واحد فقط، أعلن أن الذكاء الاصطناعي يمثل الفرصة الأكبر للمؤسسين الطموحين للشركات الناشئة.
وهذا ما يضفي طابعًا تهكميًا واضحًا على تأملاته الأخيرة. ومع ذلك، فإن تحول موقف شخص نادى بالقوة الثورية للذكاء الاصطناعي، ليرى الآن أن استخدامه ينعكس سلبًا على صاحبه، لا يبشر بالخير للصورة الذهنية لقطاع التكنولوجيا على المدى الطويل.
اتهامات بالتناقض المعرفي
وقال غراهام عن رسائل البريد الإلكتروني المصاغة بالذكاء الاصطناعي: إنها تجعلني أسيء الظن بالكاتب؛ فهذا يعني أنه عاجز عن الكتابة الجيدة بمفرده أو يشعر بذلك، وأنه يحاول خداعي. ليس من المثير للإعجاب استخدام الذكاء الاصطناعي ليكتب نيابة عنك، فأي مراهق يمكنه فعل ذلك.
وقد اتهم البعض غراهام بممارسة التناقض المعرفي؛ فإلى جانب دعمه المعتاد للذكاء الاصطناعي، احتفل مؤخرًا بكيفية إسهام هذه التقنية في منح الكثير من المؤسسين الكادحين النمو الذي يستحقونه. لكن غراهام لم يرَ أي تعارض بين هذا الموقف ومنشوره الأخير، حيث علق قائلاً: من المفترض أن تستخدمه، ولكن بالطريقة الصحيحة.
معضلة المليارات والاستخدام المحدود
ولكن ما هي الطريقة الصحيحة؟ إن أدوات الذكاء الاصطناعي ما هي إلا نماذج لغوية ضخمة، والكتابة بحد ذاتها، سواء كانت نصوصًا لغوية أو برمجية، هي الوظيفة الأساسية التي أُنشئت من أجلها. وإذا كان لا ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة رسائل البريد الإلكتروني أو المقالات أو عروض المشاريع بالكامل، فكيف يجب استخدامه إذن؟
إذا كان المقترح هو استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر ذكاءً وتكتمًا، فهذا أمر جيد، لكنه يعني أن تطبيقاته ستصبح محدودة ومحصورة في نطاقات ضيقة، والنطاق الضيق ليس هو ما يطمح إليه المستثمرون الذين يضخون مئات المليارات من الدولارات في هذه الصناعة.
مفارقة صناعة الذكاء الاصطناعي
وخلاصة القول هي أن صناعة الذكاء الاصطناعي مثقلة بالتناقضات، وقد كتبت لها النجاة حتى الآن لأن التقنية تُبنى وتُنشر بسرعة فائقة تتجاوز تلك التناقضات، على الأقل في الوقت الراهن.
ورداً على منشور غراهام، لاحظ أحد المتابعين مفارقة ساخرة تمثلت في أن الأشخاص المؤيدين للذكاء الاصطناعي لا يرغبون في أن يكونوا الطرف المتلقي للأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي.