القاهرة: الأمير كمال فرج.
واجهت النظريات التقليدية لتشكل الأجرام السماوية تحدياً مستمراً في تفسير المنشأ الدقيق لشظايا النيازك الكربونية النادرة التي تقصف الأرض بشكل متكرر. وفي محاولة لحل هذه المعضلة الفلكية، تمكن علماء الفلك من تحديد منطقة غبارية هائلة في الفضاء السحيق تعمل كـ "مصنع كواكب" متكامل. ويقدم هذا الكشف العلمي تفسيراً مدعوماً بالمحاكاة الحاسوبية لأصول هذه النيازك الغريبة، مما يفتح آفاقاً جديدة لإعادة قراءة المراحل الأولى لنشوء اللبنات الأساسية لكواكب المجموعة الشمسية.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن "هذه المنطقة حلقية الشكل، الكامنة وراء مدار كوكب المشتري، تعج بالغاز والغبار، مما يعتقد أنه أتاح لها العمل كأرض خصبة لنشأة ما يُعرف بالكواكب المصغرة planetesimals، وهي كتل صلبة يبلغ طولها ميلاً ويمكن أن تتحول إلى اللبنات الأساسية لبناء الكواكب عندما كان النظام الشمسي في مهد تكوينه".
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ ففي محاكاة حاسوبية وُصفت في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Astrophysical Journals، وجد الفريق أن هذه المنطقة أنتجت أيضاً كواكباً مصغرة ذات تركيبات مختلفة، مما يجعلها على الأرجح واحدة من أكثر مناطق تشكل الكواكب تأثيراً في نطاق نجمنا.
وصرحت الباحثة المشاركة في الدراسة، جوانا درازكوفسكا، وهي عالمة فيزياء فلكية في معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي، في بيان حول هذا العمل قائلة: يبدو أن أنواعاً مختلفة من الكواكب المصغرة قد تشكلت في المنطقة نفسها من قرص الغبار والغاز المبكر، ولكن في أوقات مختلفة فقط. وقد وفرت المنطقة الواقعة خارج مدار كوكب المشتري مباشرة ظروفاً ممتازة لهذا الأمر.
طرد الكواكب الصغيرة🪐
وينبع الغموض من فئة من الكواكب المصغرة تسمى الكندريت الكربونية carbonaceous chondrites والتي تشكلت بعد نحو مليوني إلى أربعة ملايين سنة من تشكل النظام الشمسي لأول مرة.
ومع أنه يُعتقد أن معظم الكواكب المصغرة قد طُردت مع نضوج النظام الشمسي، إلا أن بقايا منها تنجو كشظايا نيازك تقصف كوكبنا بشكل متكرر. وتظل النيازك النادرة والغنية بالكربون بشكل غير عادي — الكندريت المذكورة آنفاً — هي الأكثر إثارة للاهتمام؛ إذ تتكون من حبيبات غبار مميزة، لكن نسبة هذه الحبيبات تتباين بشكل كبير بمرور الوقت، حيث يتكون جيل منها من حبيبات متفتتة بشكل ملحوظ، بينما يتكون جيل آخر من حبيبات أكثر صلابة. ولم يكن معروفاً ما هي المنطقة التي يمكن أن تشكل مثل هذا المزيج من الكواكب المصغرة في نافذة زمنية قصيرة.
"مصيدة الغبار" تحل المعضلة 🌌
وجد الباحثون أن ما يُسمى مصيدة الغبار dust trap الواقعة خلف كوكب المشتري مباشرة تقدم تفسيراً منطقياً ومرتباً. فعندما كانت الشمس فتيّة، كانت محاطة بقرص هائل من المواد التي تشكلت فيها الكواكب في نهاية المطاف.
وعندما ظهر كوكب المشتري بكتلته الهائلة، امتص معظم المواد المشكلة للكواكب حول مداره، مما خلق فجوة في هذا القرص الكوكبي الأولي protoplanetary disk. وكان التأثير غير المباشر لهذا هو خلق حلقة من الغاز ذي الضغط المرتفع خارج المنطقة التي قام بتطهيرها، مما أدى إلى احتجاز حبيبات الغبار التي تكتلت معاً لتتحول إلى حصى، والتي يمكن أن تلد في النهاية كواكباً مصغرة.
وفي عمليات محاكاة لنمذجة تصادمات الجسيمات المجهرية والتحركات واسعة النطاق في القرص الكوكبي الأولي، أثبت الباحثون أن بعض الجسيمات يمكن أن تصبح محاصرة في مناطق معينة، مثل تلك القريبة من المشتري. وتأكيداً على دور الكوكب، وجدوا أيضاً أنه كان بمثابة حاجز للجسيمات الأكبر حجماً والأكثر صلابة مقارنة بالجسيمات الأصغر. وكان كل هذا يحدث في وقت تقوم فيه الكواكب المصغرة الآخذة في التشكل بالفعل بامتصاص بعض المواد السابحة بحرية.
وبمرور الوقت، ساعدت هذه العمليات المتنافسة في خلق كواكب مصغرة من جيلين متميزين؛ ففي أول 500,000 سنة، انخفضت وفرة الحبيبات المتفتتة قبل أن ترتفع على مدى المليون سنة التالية.
تطابق تاريخي بين المحاكاة والمختبر 🧪
ويمكن أن تحمل هذه النتائج، في حال تأكيدها، تداعيات أوسع نطاقاً على فهمنا لتطور النظام الشمسي. وقالت درازكوفسكا: هناك أدلة قوية على أن مصائد الغبار كانت مسقط الرأس المفضل للكواكب المصغرة في نظامنا الشمسي.
وأضاف الباحث المشارك ثورستين كلاين، عالم الكيمياء الكونية في معهد ماكس بلانك: لأول مرة، نجحنا في إعادة إنتاج نتائج الدراسات المختبرية للشقوق النيزكية بدقة باستخدام المحاكاة الحاسوبية للنظام الشمسي المبكر. وتعمل النيازك، إذا جاز التعبير، كحجر زاوية لاختبار نظريات تشكل الكواكَب.