القاهرة: الأمير كمال فرج.
أطلقت شركة Anthropic، إحدى أبرز الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، دعوة غير مسبوقة لفرض "هدنة" أو تجميد مؤقت ومنسق على مستوى العالم لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا، محذرة من أن التكنولوجيا باتت تقترب بسرعة من نقطة قد تفقد فيها البشرية القدرة على السيطرة عليها.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن "هذه الدعوة جاءت عبر مقال مطول نشره معهد الشركة، جادلت فيه بأن سلسلة نماذجها الشهيرة Claude تقترب من مسار يتيح لها تحقيق "التحسين الذاتي المتكرر"Recursive Self-Improvement؛ وهي القدرة التي تمكّن الآلة من تطوير نفسها بنفسها دون تدخل بشري، مما قد يؤدي في النهاية إلى ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة القوة تعمل خارج نطاق المصالح البشرية وتُشكل تهديدًا حقيقيًا للمجتمع.
وأكدت الشركة أن العالم لم يصل إلى هذه النقطة الحرجة بعد، لكنها حذرت من أن هذا السيناريو "قد يتحقق في وقت أقرب مما تستعد له معظم المؤسسات الدولية".
الهيمنة التجارية واتهامات بالخداع
تأتي دعوة Anthropic لتهدئة السباق المحموم في توقيت يراه مراقبون مريبًا ومثاليًا لمصالحها الخاصة؛ فخلال الأشهر القليلة الماضية، قفزت الشركة لتتجاوز منافستها OpenAI وتصبح الشركة الناشئة الأعلى قيمة في عالم الذكاء الاصطناعي بتقييم يناهز تريليون دولار، وتُصنف نماذجها حاليًا كأفضل الأنظمة المتاحة في السوق، لا سيما في مهام البرمجة.
ويرى الكثيرون أن كبح جماح الصناعة في الوقت الراهن سيضمن للشركة ترسيخ هيمنتها وصدارتها.ولم تنطلِ هذه التحذيرات المرعبة على جميع الخبراء؛ إذ وصف الناقد البارز في مجال الذكاء الاصطناعي، غاري ماركوس، هذا المنشور المطول بأنه عملية "خداع وتبديل لافتة"، وكتب عبر مدونته: تحاول Anthropic بث الرعب في قلوب الجميع بالحديث عن فقدان البشر للسيطرة، لكن كل ما أظهروه بالفعل هو مجرد تسريع لعمليات البرمجة الخاضعة تمامًا للتحكم البشري.
إن أداة برمجة أسرع لن تنهي العالم بالتأكيد.ولطالما حاولت Anthropic تقديم نفسها كـ "الطرف الحكيم والأخلاقي" في هذه الساحة؛ حيث تتركز روايتها التأسيسية حول امتناع رئيسها التنفيذي، داريو أمودي، عن إطلاق نموذج ثوري عام 2022 مخافة المخاطر الأمنية، تاركًا الأضواء والمجد لشركة OpenAI عندما أطلقت ChatGPT بعد ذلك بأشهر.
وقبل شهرين فقط، أعادت الشركة صياغة هذه السردية بالإعلان عن نموذج جديد يدعى Mythos، واستعرضت حرصها عبر حجب إصداقه عن العامة، مدعية أنه يمتلك قوة كافية لاختراق كافة أنظمة التشغيل ومتصفحات الإنترنت الكبرى.
فجوة المصداقية والتعاون العسكري المخفي
مع ذلك، بدأت هذه الهالة الأخلاقية تفقد بريقها وتنكشف أمام الواقع؛ ففي مطلع هذا العام، دخلت Anthropic في صدام مع البنتاغون بشأن مخاوف استخدام أنظمتها في الأسلحة المستقلة والمراقبة الجماعية، ليتضح لاحقًا أن نموذج Claude كان يُستخدم بالفعل للمساعدة في تحديد أهداف الضربات العسكرية في إيران.
وخلال هذا النزاع، تخلت الشركة بهدوء عن تعهد أمني جوهري كان يمثل مبرر وجودها الأساسي، وهو التوقف عن تدريب أي نظام ذكاء اصطناعي إذا لم تتمكن من ضمان وجود حواجز حماية أمنية مناسبة له.
وفي سياق متصل، كشف البروفيسور ستيفن مردوخ من جامعة كوليدج لندن، مستندًا إلى تقارير حديثة نشرتها صحيفة Financial Times، أن Anthropic تساعد وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA في استخدام نموذجها المحجوب Mythos لشن حرب سيبرانية هجومية ضد أعداء محتملين مثل الصين وإيران.
وعلق مردوخ لصحيفة The Guardian قائلًا: قد تعطي Anthropic انطباعًا بأنها مهتمة بالجانب الإنساني والأخلاقي، لكن تعريفها لأمن الذكاء الاصطناعي ضيق للغاية؛ فدعم السلطات الأمريكية في تطوير قدرات هجومية لم يكن أبدًا أمرًا يعارضونه.
وبغض النظر عما إذا كانت Anthropic تؤمن حقًا بإمكانية تحقيق هذا التجميد العالمي، أو ما إذا كانت هذه مجرد مناورة علاقات عامة جديدة لتعزيز صورتها الحرصة على السلامة، فقد تعهدت الشركة بمواصلة التحرك، وأعلنت أنها ستنظم خلال الأشهر المقبلة لقاءات تجمع صناع السياسات، الباحثين، وممثلي المجتمع المدني والشركات المنافسة، لبحث الأسئلة التي يثيرها ملف "التحسين الذاتي المتكرر" للآلة.