القاهرة: الأمير كمال فرج.
لا عيب في أحلام اليقظة؛ فإطلاق العنان للأفكار لتطوف في عوالم خيالية قد يمنح المرء تشتيتًا مطلوبًا بشدة عن ضغوط الحياة، ويساعد في تنظيم العواطف، وتحفيز الإبداع، أو مجرد طرد الملل.
ذكر فيكتور تانغرمان في تقرير نشره موقع Futurism إن " حالة تُعرف باسم "أحلام اليقظة المفرطة" أو "أحلام اليقظة غير المتكيفة" (Maladaptive Daydreaming) يمكنها فعليًا احتجاز بعض الأشخاص داخل أوهام ممتدة لأيام متواصلة، وهو ما يضر أكثر مما ينفع، ويزيد من حدة الضغوط بدلًا من التخفيف منها، وذلك وفقا لتقرير هيئة الإذاعة البريطانية BBC".
أسرى الخيال السائل
تشير الإحصاءات الطبية إلى أن هذه الحالة تؤثر على نسبة تتراوح بين 2% إلى 4% من البالغين. وصرح الطبيب النفسي والمؤلف كولين روس لـ BBC بأنها "تسبب ضيقًا حادًا وتعيق القدرة على ممارسة الحياة الطبيعية". وفي حالات قصوى، يمكن أن يظل الأشخاص أسرى لأحلام اليقظة لمدة تصل إلى 12 ساعة يوميًا.
وأوضح روس: "عندما يستفيق المصابون بأحلام اليقظة المفرطة في النهاية من نوباتهم، فإنهم يميلون إلى رؤية خيالاتهم كأمر عبثي ومضيعة للوقت، ومع ذلك، فإن الطبيعة الإدمانية لهذه الحالة تعني استمرار الدورة، وهي حلقة مفرغة يصعب كسرها".
الملاذ الآمن والعوالم الموازية
في شهادات حية نقلتها BBC، ذكرت امرأة تعاني من هذه الحالة أنها كانت تستخدم أحلام اليقظة كملاذ آمن في طفولتها حيث لا يسخر منها أحد. ووصف امرأة أخرى أحلامها بأنها "بمثابة عالم موازٍ" كان مشتتًا لدرجة قاطعت معها دراستها في سن مبكرة.
وكان بروفيسور علم النفس الإكلينيكي بجامعة لندن، إيلي سومر، أول من صاغ مصطلح "أحلام اليقظة المفرطة" في أوائل الألفينيات. ويصف المصطلح حالة تنطوي على قضاء فترات زمنية طويلة في أحلام اليقظة، مما يحول هذه الممارسة غير الضارة عادة إلى محاولة غير صحية للتكيف مع مشكلة قائمة بالفعل. نتيجة لذلك، ينسحب بعض الذين يعانون من هذه الحالة من حياتهم الاجتماعية ويصبحون معزولين بشكل متزايد، مما يولد لديهم مشاعر الخزي والندم.
التقاطعات العصبية والنفسية
وقد وجد العلماء روابط مثيرة للاهتمام بين أحلام اليقظة المفرطة وأولئك الذين يعانون من صدمات نمائية أو تم تشخيصهم ضمن طيف التوحد. كما رصد بعض الباحثين صلات باضطرابات قهرية مماثلة، مثل اضطراب الوسواس القهري OCD واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط ADHD.
وقال سومر لـ BBC: "التداخل مع اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط يحمل أهمية خاصة، لأن الخيال المفرط قد يبدو من الخارج كأنه مجرد تشتت انتباه. أما مع الوسواس القهري، فهناك سمات مشتركة مثل الإلحاح، والقهريّة، وصعوبة الانفصال عن الفكرة".
غياب التصنيف الرسمي والحلول السريرية
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أحلام اليقظة المفرطة لم تُدرج بعد في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية DSM-5، وهو أداة تصنيفية واسعة الاستخدام تنشرها الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين لتوحيد تصنيف اضطرابات الصحة النفسية.
ورغم ذلك، يعمل العلماء على تطوير طرق جديدة للتعامل مع هذه الحالة من خلال العلاج السريري، في إطار جهود أوسع لمساعدة المرضى على استعادة السيطرة، وليس لإلغاء أحلام اليقظة لديهم تمامًا؛ ففي نهاية المطاف، هناك الكثير مما يمكن جنيُه من أحلام اليقظة في شكلها غير الإدماني والمنظم ذاتيًا.