القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم تعد المعركة ضد التمدد العشوائي للذكاء الاصطناعي مجرد حراك تقني أو اقتصادي، بل تحولت إلى مواجهة أخلاقية وروحية كبرى؛ ففي توبيخ شديد اللهجة أطلقه الشهر الماضي، دعا البابا فرنسيس علناً إلى "نزع سلاح الخوارزميات".
ذكر فيكتور تانغرمان في تقرير نشره موقع Futurism إن "هذه الصرخة البابوية تأتي لتتوج موجة متصاعدة من الارتداد العكسي والتمرد المكتبي ضد الطغيان التكنولوجي، حيث بات الإحباط يسود أوساطاً لا حصر لها من الموظفين الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على إقحام أدوات الذكاء الاصطناعي في أدق تفاصيل مهامهم اليومية، حتى في تلك الحالات التي تبدو فيها "مكاسب الإنتاجية الموعودة" مجرد أوهام رقمية ومحل شكوك هائلة".
وسط هذه الأجواء، نجحت إيرين ماوس، وهي مهندسة برمجيات تبلغ من العمر 34 عاماً وتعمل في شركة للترفيه الرقمي في ولاية كارولاينا الشمالية، في ابتكار حيلة قانونية وأخلاقية ذكية؛ إذ أفادت منصة Business Insider بأن ماوس انتزعت إعفاءً دينياً رسمياً يتيح لها كلياً تجنب استخدام الذكاء الاصطناعي في وظيفتها.
عقيدة إنسانية تصطدم بالخوارزميات
تنتمي ماوس إلى طائفة الموحدين العالميّين، وهي حركة دينية تعددية ترتكز مبادئها على القيمة المتأصلة والكرامة الذاتية لكل إنسان. وفي أبريل الماضي، تقدمت بحجج قانونية تفيد بأن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يتوافق مع معتقداتها ومبادئها، مستشهدة بمخاوف بيئية وأخلاقية صارخة، ليرضخ صاحب العمل في منتصف مايو ويمنحها هذا التسهيل الاستثنائي الفريد.
وعلقت ماوس على تجربتها قائلة: أنا الآن أكتب الأكواد البرمجية الخاصة بي وأراجعها يدوياً بالكامل، وهو أمر يبدو جنونياً عند قوله اليوم، فقبل عامين فقط، كيف كان يمكن لأي مبرمج أن يفعل ذلك بطريقة أخرى؟
ورغم أن ماوس ليست عضواً في الكنيسة الكاثوليكية، فإن تقاطع موقفها مع دعوات البابا فرنسيس الأخيرة لفرض ضوابط صارمة على التكنولوجيا يسلط الضوء على فجوة متنامية وشقاق عميق بين المعتقدات الإنسانية والتوغل الواسع للذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية.
كلفة بيئية تُغذي جبهة الرفض
إلى جانب الأبعاد الروحية والأخلاقية، تبرز مخاوف حقيقية وملموسة تتعلق بتفاقم معدلات التلوث والاستهلاك المفرط للمياه والطاقة، وهي آثار جانبية مدمرة للبيئة أثارت حفيظة جبهة عريضة من المناهضين للتكنولوجيا من غير المتدينين أيضاً؛ إذ تحولت معارضة إنشاء وتمدد مراكز البيانات العملاقة إلى قضية رأي عام كبرى تحظى بإجماع الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) في الولايات المتحدة.
وقد أثارت خطوة ماوس موجة من التندر والتحليل الفكاهي عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث غرد كوري كوين، مؤسس إحدى الشركات الناشئة في سان فرانسيسكو، قائلاً: النتيجة الأكثر طرافة لعصر فرض الذكاء الاصطناعي هي أن أقسام الموارد البشرية على وشك اكتشاف أن عتبة إثبات العقيدة الدينية الراسخة بموجب الباب السابع هي أدنى بكثير مما كانوا يفترضون، وأن البابا ليو منح كل موظف كاثوليكي عذراً مكتوباً.
يُذكر أن الباب السابع من قانون الحقوق المدنية الأمريكي يحظر التمييز في بيئة العمل أو الانتقام بناءً على العرق، اللون، الأصل القومي، الدين، أو الجنس.
معركة قانونية في أروقة الشركات
وفقاً لتقرير Business Insider، فإن جمعية الموحدين العالميّين لا تتبنى حتى الآن موقفاً رسمياً حاسماً بشأن التكنولوجيا، لكنها تعكف حالياً على صياغة سياسة واضحة بهذا الصدد.
ومع نجاح ماوس في فتح الباب على مصراعيه، يتوقع خبراء أن تواجه الشركات قريباً موجة عارمة من الطلبات المماثلة من موظفيها المناهضين للذكاء الاصطناعي. ولن يكون رفض هذه الطلبات بالأمر الهين؛ فالسوابق القضائية، لاسيما سيل الدعاوى القانونية التي شهدتها المحاكم في حقبة جائحة COVID-19 بشأن الإعفاءات الدينية من تلقي اللقاحات الإلزامية، تمنح الموظفين أرضية قانونية صلبة للمناورة.
وفي هذا السياق، صرح جون ميهان، المتخصص في قضايا التمييز في أماكن العمل، قائلاً: قد يتعين على أصحاب العمل صياغة قواعد تنظيمية واضحة وسريعة جداً بخصوص هذا الشأن. لو كنت مكاناً لإحدى شركات المحاماة الكبرى المتخصصة في الدفاع عن الشركات بمجال العمل، لبدأت في صياغة تلك اللوائح فوراً لحماية أصحاب العمل من القضايا القادمة.
المبادئ تكسب الرهان الرقمي
على الصعيد العملي، أثبتت التجربة أن الاعتماد على العنصر البشري الخالص لم يؤثر سلباً على معدلات الإنتاج؛ إذ وجدت ماوس أن إنجاز مهام البرمجة المعقدة يدوياً وبدون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي كان يتطلب نفس الوقت الذي يستغرقه زميلها الذي يعتمد على الآلة كلياً.
وأكدت المهندسة الأمريكية في ختام حديثها للمنصة أن الذكاء الاصطناعي لا يبدو في الواقع تلك الأداة الثورية التي ستغير قواعد اللعبة كما تروج لها شركات التقنية، موجهة رسالة ملهمة لزملائها: مبادئك الإنسانية هي ما يهم حقاً في النهاية.