القاهرة: الأمير كمال فرج.
كشف كشف تربوي أبعاد الواقع المأزوم في المدارس والجامعات؛ نتيجة لتوغل أدوات الذكاء الاصطناعي التي أدت إلى انهيار قدرة الطلاب على القراءة المستمرة والتحصيل المعرفي المتماسك، وهو ما ينذر بتبعات كارثية على الجيل الحالي.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن "تايلر جاغت، مدرس االأدب والكتابة الجامعي، كشف في مقال نُشر في دورية «The Chronicle of Higher Education عن عجز فصول دراسية بكامل طلابها عن استيعاب مقال مكلفين به لا يتعدى 20 صفحة، وهو المقال الذي كان يقرأه أبناء جيله قبل عقد واحد فقط دون أدنى تذمر".
واعترف أحد الطلاب صراحة بأن سبب إخفاقه في إتمام القراءة يعود إلى تشتته الدائم وفقدانه المتكرر للخيط الرابط بين أفكار المقال.
ولا يبدو هذا الطالب معزولاً عن سياقه جيله؛ إذ يستشهد جاغت ببيانات تقييم القراءة لعام 2024 الصادرة عن التقييم الوطني للتقدم التعليمي، والتي كشفت عن تراجع مخيف في درجات القراءة لطلاب الصف الثاني عشر، مسجلة أدنى مستوى لها منذ انطلاق هذا التقييم عام 1992.
عجز هيكلي
وتشير الأرقام إلى أن قرابة ثلث هؤلاء الخريجين يقفون دون المستوى الأساسي في القراءة، مما يعني عجزهم الهيكلي عن استخلاص استنتاجات عامة من النصوص المباشرة. والوضع في المراحل المبكرة لا يقل قتامة؛ إذ يظهر تقرير حديث لـ مؤسسة Annie E. Casey أن 70 % من طلاب الصف الرابع (نحو مليوني طفل) يفتقرون إلى الكفاءة القرائية المقبولة.
ويؤكد جاغت أن ما يرصده في قاعاته الدراسية تجاوز مرحلة الحدس ليصبح انهياراً جيلياً موثقاً بالأرقام في مهارات القراءة والكتابة الطويلة، وسط استجابة أكاديمية مؤسساتية تتسم بالارتجال والإنهاك بدلاً من الإقدام على إصلاح هيكلي شامل.
تتزامن هذه الأمية المستجدة مع الانفجار الراهن لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ إذ بات الأكاديميون يواجهون أفواجاً من الطلاب يعتمدون كلياً على برمجيات الذكاء الاصطناعي كبديل عن الجهد التعليمي الحقيقي، مستعينين بها لتلخيص المواد الطويلة التي يستصعبون فهمها، مما يجعلهم رهائن للاستجابات التقنية السريعة لتجاوز الفروض الدراسية.
غطاء الغش
والأخطر من ذلك هو الانزلاق نحو التزييف الشامل، عبر توظيف التقنية لتوليد مقالات كاملة وحل المعضلات الرياضية. وزاد الطين بلة قيام بعض الجامعات بإبرام شراكات مع كبريات شركات التقنية لإتاحة هذه النماذج للطلاب، مما منح الغش المعرفي غطاءً رسمياً سرّع من وتيرة تغييب العقل داخل الفصول الدراسية، تاركاً الأساتذة والوظائف الأكاديمية المساعدة في مواجهة منفردة ومستنزفة مع هذا الواقع المعقد.
وتتزايد شكوك الباحثين حول الجدوى التعليمية المزعومة للذكاء الاصطناعي؛ حيث سُحبت مؤخراً إحدى الدراسات المحدودة التي ادعت قدرة ChatGPT على تحسين الأداء التعليمي، في حين تؤكد أغلب الأبحاث الرصينة وجود آثار إدراكية وخيمة للتقنية، تتمثل في إضعاف التفكير النقدي وارتباطها المباشر بضعف الذاكرة.
خمول الدماغ
وفي هذا الصدد، تبرز دراسة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT تثبت أن الطلاب الذين اتكلوا على ChatGPT في إنجاز مهام معرفية مثل صياغة المقالات، أظهروا خمولاً حاداً في نشاط الدماغ ضمن المناطق المسؤولية عن الإبداع، مقارنة بنظرائهم الذين اعتمدوا على محرك البحث التقليدي غوغل أو اعتمدوا على مخزونهم الذهني الخالص. والصدمة الكبرى تمثلت في أن 83 في المئة من مستخدمي الذكاء الاصطناعي عجزوا تماماً عن اقتباس سطر واحد من النص الذي خطته البرمجيات بأسمائهم، ولم يستعد نشاطهم الدماغي حيويته الطبيعية حتى بعد إجبارهم على الكتابة الحرة دون وسيط تقني.
الهواتف الذكية وضمور الروابط العصبية
ولا يتوقف الاتهام عند الذكاء الاصطناعي، بل يمتد ليشمل الهواتف الذكية القابعة في الجيوب؛ إذ تشير دراسة مرجعية أجريت عام 2017 إلى أن مجرد الوجود المادي للهاتف الذكي على مقربة من الطالب (حتى وإن كان مغلقاً أو مقلوباً على شاشته) يكفي لاستنزاف طاقته الاستيعابية وإعاقة وظائفه المعرفية.
ويوضح جاغت هذه الظاهرة قائلاً: «عندما يشكو الطالب من تشتته أمام مقال من 20 صفحة، فهو يصف حالة عصبية ملموسة؛ فالروابط العصبية الداعمة للانتباه المستمر تُبنى وتصان بالمران، وتضمر كلياً بإهمالها. الدماغ كبقية الجسد، محكوم بمعادلة صارمة: إما أن تستخدم قدراتك أو تخسرها».
المقاومة الذهنية
ويختتم الكاتب باستنكار تحويل هذه الأزمة الهيكلية العامة إلى عبء شخصي معزول يتحمله المدرسون والأساتذة المساعدون في أقسام التعبير، والذين اضطروا لتجزئة المقالات الطويلة وتدريب طلاب الجامعات على مهارات تدوين الملاحظات وتتبع الحجج، وهي مهارات أساسية كان ينبغي حسمها في المرحلة المتوسطة من التعليم.
أكد الخبراء إن الغرض من التكليف بالتحليل وصياغة الأطروحات ليس استخراج منتج نهائي منمق، بل إدخال عقل الطالب في منطقة "المقاومة الذهنية" لبنائه وجعله أكثر صلابة؛ والتخلي عن هذا الكفاح لصالح روبوتات الدردشة لا يفرغ الطلاب للمهمات الفكرية العليا كما يُروج، بل يجردهم تماماً من القوة اللازمة لإنتاج أي فعل معرفي رصين.