القاهرة: الأمير كمال فرج.
بين امتداد جذورها الضاربة في عمق التاريخ الفرعي، وواقعها الثقافي واللغوي المرتبط بالمحيط العربي، تعيش مصر جدلية مستمرة حول تحديد هويتها الوطنية. ورغم أن المسمى الرسمي للبلاد والسياسات الحكومية المتعاقبة منذ منتصف القرن الماضي رسخت الانتماء العروبي كأمر مسلّم به، إلا أن الشارع المصري – ولا سيما الأجيال الشابة والأقباط – يشهد تنامياً ملحوظاً للأصوات المناهضة للعروبة، والداعية للعودة إلى القومية المصرية الخالصة. بين حقائق علم الجينات التي تبعد المصريين عن الأصول العربية، والواقع المعيش الذي يربطهم بها ثقافياً، يفتح هذا التقرير ملف أزمة الهوية في مصر من الداخل، مستعرضاً مظاهر التناقض بين الخطاب الرسمي والتصورات الشعبية، وبحث المجتمع عن ذاته في عالم متغير.
ذكر باهر إبراهيم في مقال نشرته صحيفة The Guardian إن "مصر تصنف دولياً كدولة عربية، وهو أمر يبدو بديهياً للوهلة الأولى؛ فاسمها الرسمي هو جمهورية مصر العربية، وهي عضو بارز في جامعة الدول العربية، ويتحدث شعبها باللغة العربية. وبناءً على هذه المعطيات، يرى العالم الخارجي مصر كدولة عربية دون أدنى شك.
ومع ذلك، فإن الواقع على الأرض يختلف قليلاً؛ إذ يفضل الكثير من المصريين تعريف أنفسهم بأنهم مصريون أولاً، بل إن بعضهم يرفض تماماً المظلة العربية.
وتأتي الهوية القبطية المسيحية في طليعة المعسكر المتمسك بشعار مصري وليس عربياً. ففي منطقة ذات أغلبية مسلمة ساحقة، أصبح المصطلحان عربي ومسلم مترادفين تقريباً في الأذهان، على الرغم من وجود مجتمعات مسيحية كبيرة في عدة دول بالمنطقة.
ويؤكد معظم أقباط مصر أنهم يمثلون السلالة الأنقى الممتدة مباشرة من نسل المصريين القدماء. وكما أخبرني أحد الأصدقاء الأقباط: أنا متمسك بأنني لست عربياً، بل أنا مصري من أصول فرعونية، والرابط الوحيد الذي يجمعني بالعرب هو اللغة العربية فقط.
وتدعم الدراسات الحديثة للحمض النووي DNA لدى المصريين المعاصرين هذا الطرح، حيث تشير إلى أن المسلمين والأقباط في مصر ليسوا عرباً من الناحية الجينية؛ فجميع الموجات والغزوات التي مرت على مصر عبر آلاف السنين، بما فيها الفتح العربي، لا تتجاوز مساهمتها الجينية 15% من أصول المصريين الحاليين.
التحولات الثقافية وتراجع المد العروبي
إذا كان المصريون ليسوا عرباً من الناحية الجينية، فقد أصبحوا كذلك من الناحيتين الثقافية واللغوية. وكان هذا الواقع جلياً في عقود ما بعد الثورة، عندما كانت أحلام الرئيس جمال عبد الناصر في القومية العربية تنبض بالحياة، وحينها بلغت العروبة بمصر حداً جعلها تتنازل عن اسمها التاريخي لصالح مسمى الجمهورية العربية المتحدة.
أما اليوم، فقد بدأت هذه الهوية العربية في الانحسار حتى بين بعض المسلمين المصريين، ويتضح هذا بشكل خاص بين جيل الشباب؛ إذ يُستخدم مصطلح العرب في المحادثات اليومية للإشارة تحديداً إلى سكان دول الخليج.
ويحافظ الكثير من المصريين على هوية وطنية مميزة، حيث يمكن تلمس مشاعر جارفة من القومية والوطنية حتى في الأحاديث العابرة. وحتى أولئك الذين يعيشون في أشد الظروف فقراً، لا يسعهم سوى الشعور بنوع من التميز الثقافي مقارنة بجيرانهم عبر البحر الأحمر.
وتتردد في الشارع العادي نبرة تعبر عن هذا الاعتزاز بالماضي تقول: نحن نمتلك آلاف السنين من التاريخ والثقافة والحضارة، بينما العالم العربي حديث النشأة، ورغم أن هذه المشاعر شائعة، إلا أنها لا تمنع العمالة المصرية من الهجرة المؤقتة إلى الخليج بحثاً عن فرص حياة أفضل. وبناءً على آلاف المشاركات التي قرأتها في المنتديات الإلكترونية، فإن المشاعر المضطربة هذه تبدو متبادلة بين الطرفين. فضلاً عن ذلك، يفضل الكثير من المصريين النأي بأنفسهم عن مصطلح عربي بعد أن أصبح مقترناً في الغرب بالإرهاب عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وتتزايد هذه المشاعر المناهضة للعروبة جراء الإحباط والغضب من المعاملة السيئة التي يتلقاها بعض العمال المغتربين في بعض دول الخليج على أيدي أشقائهم العرب. فالكثير من المصريين الذين عملوا في الدول المجاورة شعروا بوجود نوع من النفور تجاههم، ولا يقتصر هذا الأمر على دول الخليج فحسب، بل يمتد إلى دول أخرى؛ إذ يشاطرهم الشعور ذاته صديق مصري نشأ في ليبيا.
صعود القومية الرقمية وأزمة المناهج التعليمية
سواء كانت هذه المشاعر مبنية على حقائق أو تصورات، فإنها عجلت من وتيرة الجفاء تجاه الأشقاء العرب، ومثلت وقوداً لانبعاث القومية المصرية، في وقت تحافظ فيه وسائل الإعلام والحكومة على الخطاب الرسمي التقليدي الذي يؤكد على الأخوة العربية. ويركز منهج التاريخ المدرسي بشكل غير متناسب على الحقبتين الإسلامية والعربية، مع إغفال شبه تام لمصر المسيحية، وهو أمر لا ينصف تاريخ مصر الغني، وينتج أجيالاً تجهل الكثير عن الفترات الزمنية الفاصلة بين مصر الفرعونية ووصول العرب.
وقد وصل هذا الجدل المناهض للعروبة إلى ذروته عام 2009، خلال ما عُرف بأزمة كرة القدم بين مصر والجزائر، بعد أن هزمت الجزائر مصر في المباراة الفاصلة بالسودان، مما أطاح بطموحات مصر في التأهل لكأس العالم.
وأعقب ذلك حرب إعلامية شرسة تبادل فيها الطرفان السخرية والتشهير بالرموز الوطنية، بل وعبر الكثير من المصريين عن رغبتهم في قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر.
وبالنظر إلى الماضي، كانت مباراة كرة القدم مجرد ذريعة واهية لكل ذلك الضجيج الإعلامي الذي همد لاحقاً، لكن آثاره ظلت كامنة؛ إذ دشن مصريون مجموعات على منصة فيسبوك بعنوان أنا مصري مش عربي، وهو موقف كان يقتصر حتى وقت قريب على الأقباط. كما انطلقت حملة أخرى بعنوان أنا مصري.. أنت مين؟ سعت لإحياء شعور مفقود بالفخر بالهوية المصرية أولاً وقبل كل شيء.
وفي حين يستمر الإعلام الرسمي في ترديد المعزوفة التقليدية حول الأخوة العربية، تشتعل في عالم المدونات حملة إلكترونية ضخمة لتأكيد الهوية المصرية الفرعونية غير العربية. وبرز في هذا السياق مدون يطلق على نفسه حسن الهلالي، متبنياً شعاراً لافتاً يقول: لا عربي، لا مسلم، لا مسيحي.. مصر مصرية. وتتخصص مدونته في رصد ما يصفه بـ السَعوَدة التدريجية لمصر، والتي يرى أنها بدأت في السبعينيات والثمانينيات مع عودة العمالة المصرية من الخليج.
خاتمة: الهوية المركبة كعنصر قوة
رغم أن الرغبة في العودة إلى هوية فرعونية نقية قد تبدو فكرة رومانسية جاذبة، إلا أن محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء تبدو غير مجدية. فمصر تتحدث العربية منذ قرون، وستظل تتشارك الحدود مع محيطها العربي.
وبدلاً من إنكار هذا البُعد، يحتاج المصريون إلى الاعتزاز بإرثهم العربي باعتباره مكوناً أصيلاً من مكونات الهوية المصرية الشاملة؛ فاللهجة العربية المصرية أصبحت ثقافة وقوة ناعمة بذاتها، ويمكن تمييزها فوراً في أي دولة عربية أخرى، كما أن الروائي الوحيد الذي يكتب بالعربية وفاز بجائزة نوبل في الآداب هو أديب مصري. لذا، يجب على المصريين رؤية تراثهم العربي كمصدر فخر، حتى وإن لم يروا أنفسهم عرباً بالمعنى العرقي الخالص.