القاهرة: الأمير كمال فرج.
تواجه الأوساط العلمية والطبية موجة جديدة من القلق الأخلاقي والمهني، عقب إعلان فريق بحثي عن نجاح تجربة متطورة للتعديل الجيني على أجنة بشرية في أطوارها الأولى. ورغم أن التجربة استهدفت إثبات كفاءة التقنية دون السماح للأجنة بالنمو، فإن خبراء ومختصين حذروا من أن هذا الاختراق العلمي قد يكسر آخر الخطوط الحمراء، ممهدًا الطريق أمام ما يسمى بـ "تحسين النسل" وتصميم أطفال بمواصفات جينية مخصصة.
ذكر فيكتور تانغرمان في تقرير نشره موقع Futurism إن "هذا التطور يعيد إلى الأذهان الصدمة العالمية التي أحدثها العالم الصيني هي جيانكوي قبل ثمانية أعوام، عندما أعلن عن ولادة أول طفلتين معدلتين جينيًا باستخدام تقنية كريسبر، مما فجر آنذاك إدانات دولية واسعة انتهت بسجنه، ووضعت قيودًا صارمة على أبحاث الخط الجرثومي البشري".
شقوق دقيقة بدلاً من المقصات الجينية
في الدراسة الجديدة، التي قادها عالم الوراثة ديتر إيجلي من جامعة كولومبيا ولم تخضع بعد لمراجعة الخبراء، استخدم العلماء تقنية تُعرف باسم تعديل القواعد النيتروجينية Base Editing. وتتميز هذه التقنية بدقتها العالية مقارنة بتقنية كريسبر التقليدية؛ إذ تعمل على إحداث شقوق دقيقة في شريط واحد من الحمض النووي لتغيير أحرف جينية محددة، بدلاً من قطع وإزالة مقاطع كاملة من الجينوم، وهو ما يقلل من احتمالات تلف الحامض النووي التي عابت التجارب السابقة.
واستهدفت التجربة تعديل موقعين جينيين مسؤولين عن إنتاج الهيموجلوبين وتنظيم مستويات الكوليسترول في الزيجوت البشري (البويضة المخصبة في مرحلتها الأولى أحادية الخلية). وأوضح الفريق أن اختيار هذه المواقع جاء لكونها مدروسة بدقة في الخلايا الجسدية، وليس بغرض تقديم وعود علاجية فورية.
المظهر الفسيفسائي: عيوب تقنية تهدد سلامة الأجنة
رغم النجاح النظري في تعديل المواقع المستهدفة، فإن النتائج المختبرية كشفت عن تحديات بنيوية مقلقة؛ حيث عانت الأجنة المعدلة من ظاهرة تُعرف علميًا باسم الفسيفساء الجينية Mosaicism. وتتمثل هذه الظاهرة في نشوء خلايا ذات تركيب وراثي متباين داخل الجنين الواحد.
ويرى اختصاصيون أن هذا التباين يمثل مخاطرة كبرى؛ إذ إن نمو هذه الأجنة مستقبلاً قد يؤدي إلى تشوهات أو أمراض وراثية معقدة. وأكدت آنا إلتيس، خبيرة الأخلاقيات الحيوية بجامعة ويك فورست، أن خطورة هذه التقنيات تكمن في أن بعض الآثار الجانبية الضارة والقاتلة قد لا تظهر بشكل ملموس إلا بعد الولادة وخلال مراحل النمو المتقدمة.
كسر "اتفاق السادة" وغياب الرقابة القانونية
أثار البحث حفيظة رواد الهندسة الوراثية في الولايات المتحدة، والذين اعتبروا الخطوة خرقًا لـ "اتفاق السادة" غير المكتوب بين العلماء، والذي يقضي بالامتناع عن العبث بالجينوم البشري للأجنة خارج الأطر العلاجية المقرة بدقة.
وعلّقت أليكسيس كومور، الباحثة الرواد التي ساهمت في تطوير تقنيات التعديل الجيني، بأن غياب الرقابة التشريعية الصارمة في الولايات المتحدة سمح بمثل هذه التجاوزات، واصفة التجربة بأنها بوابة لتعديل الأجنة بهدف التحسين الشكلي والجسدي، مؤكدة أن المارد قد خرج بالفعل من المصباح ولا يمكن إعادته.
دليل إرشادي لتجاوز الحدود الأخلاقية
تتضاعف المخاوف الإنسانية مع دخول رأس المال الاستثماري على خط هذه الأبحاث؛ حيث حظيت الدراسة بدعم وتمويل من شركة Nucleus Genomics، وهي شركة متخصصة في فحص أجنة التلقيح الاصطناعي، وتواجه انتقادات واسعة بسبب طموحاتها التجارية في سوق الفحص الجيني.
وفي حين يدافع مسؤولو الشركة عن البحث باعتباره خطوة تقرب العلم من الوقاية من الأمراض المستعصية قبل الولادة، ينظر نقاد ومناهضون للمشروع بعين الريبة والوجل. وفي هذا السياق، لخص فيودور أورنوف، عالم الوراثة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، المشهد بعبارة حاسمة قائلاً: "إن ما يجري في هذه المختبرات اليوم ليس سعيًا وراء العلاج، بل هو تزويد لمطوري الأطفال بدليل إرشادي واضح لاختراق القوانين الإنسانية وتجاوز الحدود الأخلاقية الديدنة".