القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم يعد هناك مفر من حصار الذكاء الاصطناعي؛ فبينما تحاول تفادي كاميرات المراقبة الذكية على الطرق السريعة، وتتوجس من هواتف المساعد الرقمي التي تنصت إليك داخل جيبك، أو حتى الروبوتات التي تملي عليك طلبك في مطاعم السيارات، تأتيك الصدمة الجديدة من مكان لم تتوقعه: ممرات متاجر البقالة.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشره موقع Futurism إن " سلال التسوق التقليدية يدو أنها في طريقها للاختفاء، لتتحول إلى أدوات رقابة رقمية متحركة. فقد بدأت شركة Instacart في نشر عرباتها الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في المتاجر الأمريكية. وأعلنت الشركة، بالتعاون مع سلسلة متاجر Weis Markets) الشهيرة في شمال شرق الولايات المتحدة، عن بدء التشغيل الفعلي لهذه العربات في مواقع مختارة بولاية بنسلفانيا".
ترسانة تكنولوجية لملاحقة المشتري
العربات الجديدة، التي تحمل اسم Caper Carts، ليست مجرد سلال ذات عجلات، بل هي ترسانة تكنولوجية متكاملة؛ إذ تم تزويدها بمستشعرات كاميرا متعددة، وموازين رقمية دقيقة، وشاشات تفاعلية تعمل باللمس، إلى جانب أنظمة متطورة لتتبع المواقع والإحداثيات داخل المتجر. ورغم أن الشركات تسوق هذه الأدوات تحت شعار "جعل تجربة التسوق أكثر ذكاءً وجدوى"، إلا أن الواقع يحمل أبعاداً أخرى.
وتعتمد هذه التقنية على مفهوم "الذكاء الاصطناعي المادي"، الذي يدمج بين الحوسبة الطرفية الفورية داخل العربة، والذكاء الاصطناعي السحابي المدرب على قاعدة بيانات ضخمة تضم أكثر من 1.6 مليار طلب بقالة عبر الإنترنت، تراكمت على مدار عقد كامل من الخيارات الاستهلاكية.
حصار إعلاني وتوجيه للسلوك الاستهلاكي
الآلية الفنية للعربة تعتمد على رصد وتتبع ما يضعه المستهلك في سلته بالوقت الفعلي. وبمجرد اقترابه من رف معين، تبدأ الشاشة المثبتة أمامه في قصفه بالإعلانات الموجهة والكوبونات الإلكترونية الفورية للمنتجات المحيطة به.
وأظهرت نتائج التشغيل التجريبي خطورة هذا التوجيه الرقمي؛ حيث ساهمت ميزات مبرمجة مثل نافذة "هل نسيت شيئاً؟" في دفع المستهلكين للشراء العاطفي وغير المخطط له، مما رفع متوسط حجم سلة المشتريات بنسبة 1%، وهو ما تراه قطاعات التجزئة انتصاراً تسويقياً هائلاً، بينما يراه حماة المستهلك اختراقاً لآليات اتخاذ القرار الحر.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تلاحق العربة المتسوقين باستمرار للحصول على بياناتهم الشخصية عبر إغراءات الاشتراك في برامج الولاء، وتلح عليهم بميزات مثل "إعادة الشراء" لتذكيرهم بالسلع التي اشتروها في الماضي، بهدف دفعهم لملء السلة بأسرع وقت ممكن وبأكبر كمية مستهدفة.
مستقبل "ديستوبي" وعمالة خلف الستار
رغم أن هذا المشهد يبدو قادماً من روايات الخيال العلمي السوداوية (الديستوبيا)، إلا أن هذه العربات بدأت تفرض نفسها كأمر واقع؛ حيث ضاعفت "إنستاكارت" معدلات نشر عربات "كابر" ثلاث مرات مقارنة بالأعوام السابقة. وفي ذات السياق، دخلت سلاسل كبرى مثل Kroger السباق عبر تطوير عرباتها الذكية الخاصة، المحملة بحزمة من ميزات الذكاء الاصطناعي التي تقتحم خصوصية المتسوق دون أن يطلبها.
لكن الوجه الأكثر قتامة لهذه التكنولوجيا قد يتكشف قريباً؛ فبالنظر إلى تجارب المتاجر الذكية السابقة التي استغنت عن موظفي التحصيل، تشير التوقعات إلى أن هذا النظام البصري المعقد لا يدار كلياً بالآلة، بل يعتمد خلف الستار على جيوش من العمالة المؤقتة والمستغلة في دول نامية، يجلسون لساعات طويلة خلف الشاشات لمراقبة لقطات الكاميرات الحية والتدقيق في حركات المتسوقين لضمان عمل المنظومة.