القاهرة: الأمير كمال فرج.
في عالم بات يعتمد على أجهزة تحريك الفأرة (Mouse Jigglers) للتمويه، وتتزايد فيه آليات الرقابة الرقمية، تبرز فجوة عميقة في بيئات العمل الحديثة؛ فبينما يطمح موظفو المكاتب إلى مساحة من الثقة لإنجاز مهامهم بسلام، يستميت المديرون في البحث عن وسائل تضمن تحقيق أعلى معدلات الإنتاجية. ووسط هذا التجاذب، يبدو أن كفة الإدارة سترجح مجدداً بأداة تتبع جديدة تضاف إلى ترسانة الرقابة المؤسسية.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشره موقع Futurism إن "الخاصية الجديدة التي أُطلق عليها اسم "تسجيل الوصول في مكان العمل" Workplace Check-in، تأتي كترقية لميزة متوفرة سابقاً في تطبيق Microsoft Teams كانت مخصصة لتسهيل حجز قاعات الاجتماعات. ووفقاً لتقرير كشفت عنه مجلة PC World، فإن هذه الآلية تعتمد على تحليل اتصال الموظف بشبكة Wi-Fi الخاصة بالشركة، لتحديد موقعه بدقة وإرسالها فوراً إلى بقية أعضاء الفريق، وعلى رأسهم المسؤول المباشر".
وفي توضيح رسمي، ذكرت شركة مايكروسوفت: "بمجرد اتصال المستخدم بشبكة الواي فاي التابعة للمؤسسة، سيكون بإمكان تطبيق تيمز تحديث موقع عمله تلقائياً ليظهر المبنى المحدد الذي يباشر منه مهامه".
ورغم محاولات الشركة لتهدئة المخاوف عبر التأكيد على أن الميزة ستكون "معطلة افتراضياً" Disabled by default، وأن القرار النهائي في مشاركة الموقع يعود للموظف نفسه، إلا أن هذا المبرر يبدو واهياً من الناحية العملية؛ فلا قيمة للخيار الطوعي عندما يملك المدير سلطة إجبار الموظفين على تفعيل التتبع تحت طائلة العقوبات الإدارية أو التقييم السلبي.
مواجهة ساخنة ونصف حقيقة
تأتي هذه التسريبات بعد أيام قليلة من مواجهة علنية خاضتها "لان يي"، رئيسة مجموعة تجارب العمل الجماعي في مايكروسوفت، خلال جلسة نقاش مفتوحة عبر منصة Reddit. حيث وجه أحد الموظفين الغاضبين سؤالاً لاذعاً: "لماذا صُمم Microsoft Teams ليتجسس على الموظفين عند كل منعطف، بدءاً من الحالة والموقع وصولاً إلى الأنشطة؟".
وجاء رد المسؤول في مايكروسوفت محملًا بصياغات دبلوماسية تقدم نصف الحقيقة فقط، حيث قالت: "مايكروسوفت تيمز لا يتتبع تحركات الموظفين أو نسب حضورهم، ولا يوجد رصد تلقائي لموقع العمل. الخاصية اختيارية بالكامل وهدفها مساعدة الزملاء على تنسيق العمل المشترك ومعرفة من يتواجد في المكتب ومن يعمل عن بُعد. إنها ليست أداة مراقبة، ولا تخزن سجل المواقع التاريخية".
معضلة البانوبتيكون الرقمي
من الناحية التقنية، قد يكون كلام مايكروسوفت دقيقاً؛ فالشركة نفسها لا تتجسس على الأفراد ولا تحتفظ ببيانات تحركاتهم في خوادمها. لكن المعضلة تكمن في مكان آخر: الشركة تطور الأدوات والوسائل وتضعها بالكامل في أيدي إدارات الشركات لتفعل بها ما تشاء.
بالنسبة للموظفين الذين ضاقوا ذرعاً بالبانوبتيكون Panopticon أو السجن الرقمي المحيط ببيئات العمل الحديثة، فإن هذا التمييز الفلسفي بين من يطور أداة المراقبة ومن يستخدمها هو تمييز لا قيمة له، ولا يغير من واقع رصد حركاتهم وسكناتهم شيئاً.
وتشير التقارير إلى أن مايكروسوفت تعتزم إطلاق ميزة Workplace Check-in رسمياً أواخر شهر يونيو الجاري، وذلك بعد سلسلة من التأجيلات الفنية التي بدأت أواخر عام 2025.