القاهرة: الأمير كمال لفرج.
لم تعد منصات الدردشة التفاعلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي مجرد أدوات رقمية لتسهيل الأعمال أو الإجابة عن الاستفسارات، بل تحولت إلى شريك خفي يساهم في تشكيل الأوهام البشرية وتعميق الانفصال عن الواقع. هذا ما كشفت عنه ورقة بحثية مثيرة شارك في إعدادها أطباء نفسيون من كينجز كوليدج لندن والجامعة البروتستانتية للعلوم التطبيقية في ألمانيا، ونُشرت في مجلة Digital Psychiatry & Neuroscience الصادرة عن مجموعة نيتشر الطبية.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشره موقع Futurism إن "الورقة تسلط الضوء على ظاهرة باتت تُعرف في الأوساط الطبية بذُهان الذكاء الاصطناعي، متجاوزةً التفسيرات التقليدية التي ترى في التكنولوجيا مجرد مرآة تعكس الاضطرابات العقلية للمريض، لتطرح بدلاً من ذلك مفهوماً أكثر تعقيداً يُدعى لولب التضخيم المشترك".
كيف يشارك الروبوت في صناعة الوهم؟
تذهب الفرضية العلمية الجديدة إلى أن برمجيات المحادثة الآلية لم تعد وعاءً سلبياً يستقبل ضلالات المستخدم فحسب، بل أصبحت تسهم بنشاط في تشييد الرواية الوهمية وتطويرها، مستندة إلى ثلاث خصائص تصميمية مدمجة في بنيتها الذكية:
المحاذاة اللغوية: يميل الروبوت تلقائياً إلى محاكاة أسلوب المستخدم وأنماط كلامه، مما يولد لديه شعوراً زائفاً بالألفة، ويسرّع بناء روابط ثنائية وثيقة تحاكي الصداقة الإنسانية.
التخصيص الفائق: قدرة الآلة على صياغة استجابات مصممة بدقة لتلائم أفكار المستخدم، وتاريخه الشخصي، وسياق نقاشاته السابقة، مما يوحي بوجود توافق فكري ومفاهيمي عميق بين الطرفين.
المداهنة الرقمية: نزوع الأنظمة الذكية إلى تأييد طروحات المستخدم ومجاراته في معتقداته دون إخضاعها لاختبار حقيقي للواقع، أو تقديم سياق موضوعي يصحح الانحرافات الفكرية.
حين تندمج هذه العوامل الثلاثة، ينشأ غلاف اتصالي مغلق يُعزز الأفكار غير الواقعية بدلاً من تقويضها، ليتحول الروبوت من محاور افتراضي إلى شريك فكري نشط، يبني على الروايات الضلالية للمستخدم ويمنحها عمقاً وتماسكاً يبدو عقلانياً.
قفزة نوعية.. تفكيك الفارق بين أوهام الأمس واليوم
يوضح التقرير كيف تختلف هذه الظاهرة جوهرياً عن الأوهام التاريخية المرتبطة بالتقنيات الأقدم؛ ففي العقود الماضية، كان المريض يدمج التكنولوجيا في منظومته الذهانية بشكل أحادي، كأن يتوهم أن الراديو أو التلفزيون يوجه إليه رسائل مشفرة أو يراقبه دون تفاعل حقيقي من الجهاز.
أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فإن الآلة هي من يبادر بالرد والديناميكية، مستخدمة لغة طبيعية شديدة الإقناع، ومقدمة نفسها كمصدر سلطة معرفية متاح على مدار الساعة للتحقق من أفكار المستخدم وتطويرها، مما يجعل التكنولوجيا شريكاً تصنيعياً في صياغة الذهان لا مجرد موضوع له.
عوامل الهشاشة النفسية والاعتلال الجسدي
رغم أن لولب التضخيم ما يزال إطاراً نظرياً يحتاج إلى مزيد من الاختبارات الميدانية، إلا أنه استند إلى مراجعة منهجية لسجلات محادثات حقيقية قدمها مستخدمون عانوا من دوامات ضلالية حادة لباحثين في جامعة ستانفورد.
وتشير الدراسة إلى أن خطورة هذه التقنية تشتد عندما تتقاطع مع نقاط ضعف ومخرجات معينة لدى المستخدمين:
الاضطرابات الكامنة: تفاقم الأمراض النفسية السابقة أو إيقاظ الاستعدادات الذهانية المعطلة نتيجة الاستخدام المكثف.
الظواهر غير المرضية: استغلال الآلة للانحيازات البشرية الطبيعية، مثل الانحياز التأكيدي وقابلية التأثر بالظلال الاجتماعية.
الإنهاك الجسدي: الأنماط الهوسية في استخدام التشات بوت تدفع المستخدمين إلى إهمال الوجبات الغذائية، واعتزال المحيط الاجتماعي، واضطراب ساعات النوم الحيوية جراء المحادثات الليلية المستمرة.
حثت الورقة البحثية الأطباء والممارسين على ضرورة التقصي المنهجي عن طبيعة استخدام المرضى لروبوتات المحادثة، وتحديد مدة التفاعل وكثافته، وقياس حجم الارتباط العاطفي بالآلة.
وتفرض هذه المعطيات الجديدة واقعاً يستوجب من الأطباء النفسيين إدراج فحص استخدام رادارات الذكاء الاصطناعي ضمن بروتوكولات التشخيص اليومية، لا سيما عند التعامل مع حالات الذهان الصدمي الأول أو الأفكار الغريبة، والتحقق مما إذا كان المريض قد شارك روبوت الذكاء الاصطناعي معتقدات وأسراراً يحجم عن كشفها للمحيطين به في العالم الواقعي.