القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم يعد الأمر مجرد تجربة مستخدم سيئة، بل تحول إلى معركة يومية يخوضها المستهلك ضد جدران رقمية صماء. ثمة شعور غامر بالحنق والضيق يستبد بك عندما تكتشف أن ممثل خدمة العملاء الذي يتواصل معك على الطرف الآخر من الخط ليس إلا وكيل ذكاء اصطناعي، يفتقر إلى روح الفهم البشري. وإذا لم تكن قد تجرعت مرارة هذا الموقف شخصياً بعد، فمن المؤكد أن أحداً في محيطك قد عاش هذه التجربة المأزومة.
ذكر فيكتور تنجرمان في تقرير نشره موقع Futurism إن "في الوقت الذي يواصل قادة قطاع التكنولوجيا التحذير من أن الذكاء الاصطناعي قادم لتصفية فئات كاملة من الوظائف البشرية —وتأتي وظائف خدمة العملاء دائماً في مقدّمة قوائم المقصلة الرقمية— فإن المؤشرات الحالية تؤكد أن فصولاً أكثر قسوة من الإحباط والنفور لا تزال في انتظارنا".
🤬 الصراخ في وجه الآلة: بشر.. شخص حقيقي!
وفقاً لبيانات أحدث استطلاع رأي أطلقه "مؤشر صبر المستهلك"، والذي أجرته شركة Parloa المتخصصة في تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي لخدمة العملاء، فإن المشهد يبدو قاتماً للشركات التي تندفع نحو الأتمتة الكاملة. لقد أقر أكثر من نصف الأمريكيين بأنهم يحاولون بنشاط مستمر "التهرب" من روبوتات الدردشة التفاعلية.
والأخطر من ذلك، أن 43.9% من هؤلاء اضطروا إلى الصراخ بأعلى صوتهم بكلمات مثل بشر أو شخص حقيقي رغبة عارمة منهم في إنهاء المكالمة مع وكيل الذكاء الاصطناعي عبر الهاتف، في حين ذهب 17% منهم إلى أبعد من ذلك، حيث لجأوا إلى الألفاظ النابية كطوق نجاة أخير لكسر الشفرة الآلية والإفلات من حصار الروبوت.
📉 نزيف الولاء.. ثلاث دقائق ثم الفراق
الدراسة التي شملت 1001 مواطن أمريكي بالغ لقياس مدى ارتباط ولائهم للعلامات التجارية بجودة تجربة العملاء، حملت تحذيراً شديد اللهجة لصنّاع القرار؛ إذ تبيّن أن إجبار المستهلكين على التحدث مع الآلة بدلاً من البشر قد يدفعهم بسهولة إلى التخلي عن الشركة نهائياً والانتقال فوراً إلى خدمات الشركات المنافسة. وعبر أكثر من نصف المشاركين عن عدم استعدادهم لمنح الأنظمة المؤتمتة أكثر من ثلاث دقائق فقط قبل إغلاق الخط والمغادرة دون رجعة.
وفي هذا السياق، صرحت لاتاني كونانت، رئيسة قطاع التسويق في شركة Parloa، محذرة: عندما يؤكد أربعة من بين كل خمسة مستهلكين أن مستوى الخدمة يؤثر مباشرة في ولائهم للعلامة التجارية، فإن هذا يجب أن يدق ناقوس الخطر لخبراء الاستراتيجيات، لا سيما أولئك المكلفين بتحقيق الأهداف الربحية؛ فالأتمتة العشوائية قد تتحول إلى خسائر مالية فادحة.
⚠️ رادارات الإحباط: الآلة لا تفهمني
وعندما طُلب من المستهلكين ترتيب أبرز نقاط الضعف والمشكلات التي تواجههم في خدمات الدعم الفني، قفزت مشكلة التحدث إلى روبوت لا يفهمني إلى صدارة القائمة لتستأثر بنسبة 25.9% من إجمالي المشاركين. وتفوقت هذه المعضلة التكنولوجية حتى على كوابيس خدمة العملاء التقليدية المعروفة، مثل فترات الانتظار الطويلة على الخط التي جاءت في المرتبة الثانية بنسبة 22.8%، أو تحويل المكالمة المعقد بين الموظفين لمرات متعددة والذي اشتكى منه 13.4% من المستطلعين.
وتكتسب هذه النتائج مفارقة صارخة لافتة، بالنظر إلى أن شركة Parloa التي تولت إعداد الدراسة هي نفسها التي تكافح لبيع وبناء حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي لخدمة العملاء. ورغم أن نحو 85% من المشاركين أبدوا استعداداً نظرياً لتقبل نظام مؤتمت بشرط أن يحل مشكلاتهم بنسبة نجاح تبلغ 9 مرات من أصل 10، فإن الفجوة السحيقة بين هذا الطموح والواقع الحالي تضع الشركات أمام تحديات هائلة، وتكشف أنهم يبيعون للجمهور وهماً لم ينضج بعد.
🛑 الرفض الكبير.. المستهلكون ضاقوا ذرعاً
بالنظر إلى المشهد من زاوية أوسع، يسلط هذا الاستطلاع الضوء على رد فعل عكسي متنامٍ ورفض شعبي واسع النطاق ضد موجة الذكاء الاصطناعي برمتها. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع رأي حديث أجراه مركز بيو للأبحاث أن 16% فقط من الناس يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير إيجابي عام في المجتمع.
ويبدو أن رغبة المستهلكين في تحمل الذكاء الاصطناعي قد هوت إلى قاع غير مسبوق؛ إذ كشفت البيانات أن 13.6% فقط من المستطلعين يثقون في قدرة الخوارزميات على معالجة طلبات الخدمة المعقدة اليوم، بينما أكدت نسبة ضخمة بلغت 30.4% عدم ثقتها بهذه الأنظمة على الإطلاق.
واختتمت كونانت توصيفها لهذه الأزمة بعبارات قاطعة: في نهاية المطاف، ما يرسله المستهلكون هو استغاثة واضحة تشير إلى شعورهم بالإنهاك التام. إنهم يرفضون بقوة الأنظمة التي لا تستمع، ولا تتكيف، ولا تحل المشكلات المعقدة عندما يتطلب الأمر التدخل العاجل. ببساطة ووضوح: لقد ضاقوا ذرعاً، وعلى الشركات الاستماع قبل فوات الأوان.