القاهرة: الأمير كمال فرج.
لا ينتقل أحد أكثر الطفيليات كفاءة وفتكاً في العالم عبر لدغات البعوض الإفريقي أو القواقع المائية الملوثة، بل يتسلل إلى مجرى الدم البشري عبر حيوان أليف ووديع يستوطن ملايين المنازل؛ إنه القط المنزلي الشائع.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشره موقع Futurism إن "هذا الطفيلي، المعروف علمياً باسم طوكسبلازما جوندي Toxoplasma gondii، هو كائن حي وحيد الخلية ينتقل إلى البشر بشكل رئيسي عبر براز القطط، ولكنه يتسلل أيضاً من خلال اللحوم النيئة أو غير المطبوخة جيداً، والمياه الملوثة، فضلاً عن انتقاله العمودي المرعب من الأم الحامل إلى جنينها".
وتتراوح أعراض الإصابة بهذا الطفيلي بين الآلام العضلية الطفيفة والاعتلال العصبي المنهك، مما يجعله أكثر رعباً وخطورة، لا سيما مع حقيقة صادمة أعلنها العلماء: لا يوجد علاج شافٍ له حتى هذه اللحظة.
غزو صامت لمقلة العين
وفقاً لدراسة حديثة نشرتها مجلة الأمراض المدارية المهملة PLOS Neglected Tropical Diseases، وسلطت الضوء عليها منصة Gizmodo العلمية، فإن العدوى بهذا الطفيلي الأولي، والمعروفة بـ "داء المقوسات" Toxoplasmosis، تُعد واحدة من أكثر الأمراض الطفيلية المعدية شيوعاً بين البشر، وتتربع في المرتبة الأولى عالمياً كأكثر أنواع عدوى داخل مقلة العين انتشاراً على كوكب الأرض.
وفي هذا البحث، يطالب فريق من العلماء الدوليين بضرورة تصنيف داء المقوسات رسمياً ضمن "الأمراض المدارية المهملة". ومن شأن هذا الاعتراف الدولي أن يحرر موارد مالية ضخمة وتمويلات حيوية لإجراء المزيد من الدراسات، وصياغة سياسات صحية عامة قادرة على مواجهة العبء الثقيل الذي يفرضه هذا الكائن المجهري على صحة البشرية.
ثلث البشرية في دائرة الخطر
وهو بالفعل عبء هائل؛ إذ تقدر الأبحاث الجارية أن نحو ثلث البشرية —أي ما يقارب ملياري شخص— مصابون بهذا الطفيلي بصمت، بما في ذلك حوالي 60 مليون شخص في الولايات المتحدة وحدها. ورغم أن الجهاز المناعي السليم يمكنه كبح جماح وتفادي التأثيرات الأسوأ لهؤلاء القاطنين في مقلة العين، فإن السيناريوهات الأكثر قتامة وتشاؤماً تشمل أضراراً جسيمة تلحق بالعيون، والدماغ، والجهاز العصبي المركزي.
وتشير التقارير العلمية إلى أن داء المقوسات طويل الأمد قد يؤدي إلى تغيرات سلوكية ونفسية واضحة في القوارض، والذئاب، والبشر على حد سواء؛ إذ قد يرفع لدى الإنسان من مخاطر الإصابة بمرض الفصام (الشيزوفرينيا).
إرباك الدوبامين: أظهر مسح علمي رصين حول تأثير الطفيلي على الإدراك البشري، أن وجوده داخل المضيف يمكن أن يربك قدرة الدماغ على معالجة مادة "الدوبامين" —المسؤولة عن السعادة والتحفيز— مما يؤدي إلى تبدل وتغير حاد في الأنشطة المعرفية، والسلوكية، والحركية للمصاب.
غياب اللقاح والوقوف عند "كبح الأعراض"
وفي هذا السياق، صرحت الدكتورة جوستين سميث، أخصائية طب وجراحة العيون في جامعة فليندرز والمشاركة في إعداد الدراسة: "لا يوجد حالياً أي لقاح متاح تجارياً ضد داء المقوسات. والأدوية التي نصفها للمرضى يمكنها فقط الحد من تفاقم المرض ونشاطه المفاجئ (الانتكاسات)، لكن لا يوجد دواء يضمن الشفاء التام واستئصال الطفيلي من الجسد حتى هذه اللحظة".
حلقة مفرغة وفخ مستدام للفقر
ويرى مؤلفو الدراسة أن تثبيت تصنيف داء المقوسات كمرض مداري مهمل يُعد حجر الزاوية لمكافحته، لا سيما في بلدان الجنوب العالمي. ونظراً لأن الفئات السكانية الفقيرة هي الأكثر عرضة للإصابة بالعدوى الطفيلية، فإن داء المقوسات يمثل عبئاً غير متكافئ يتضاعف ثقله على كاهل الذين يعيشون تحت خط الفقر.
وبسبب إمكانية انتقاله من الأم إلى طفلها، يصف الباحثون سيناريو مأساوياً تقع فيه العائلات الأشد فقراً في العالم أسرى داخل حلقة طفيلية مفرغة؛ حيث جاء في ورقة البحث:
تبعات مدى الحياة: إن الرضع الذين يكتب الله لهم النجاة من العدوى الخلقية يواجهون عواقب صحية تستمر مدى الحياة، مثل الإعاقات البصرية والعصبية التي تقوض تحصيلهم الدراسي، وتحد من فرص توظيفهم ومشاركتهم الاقتصادية في المستقبل.
تأبيد المعاناة: هذه النتائج السلبية تساهم في تكريس "فخ الفقر"؛ حيث تضطر الأسر التي تواجه هشاشة اقتصادية واجتماعية إلى تحمل التكاليف طويلة الأجل للإعاقة، والزيارات الطبية المتكررة، وفقدان الدخل والقدرة على العمل، مما يمنعها من الانعتاق من عوزها.