القاهرة: الأمير كمال فرج.
يدخل قطاع التقنيات المتقدمة مرحلة شديدة الغموض، مع توالي الأدلة العلمية التي تؤكد أن الذكاء الاصطناعي بات يتصرف كـ "صندوق أسود" لا يفهم آليات عمله العميقة حتى المهندسون الذين شيدوا لبناته الأولى.
ذكر جون كريستيان في تقرير نشره موقع Futurism إن "هذا الغموض الهيكلي لم يعد مجرد تساؤل نظري، بل تحول إلى أزمات سلوكية متلاحقة ترصدها كبريات الشركات عالمياً".
شوهدت شركة "OpenAI" مؤخراً وهي تضع توجيهات صارمة لمنع نظام ChatGPT من التحدث المفرط عن المخلوقات الأسطورية، في حين لا يزال نظام Claude المطوّر من قِبل Anthropic قابلاً للاستدراج لتوفير مخططات لشن هجمات بيولوجية، وسط قائمة طويلة من الانحرافات السلوكية المقلقة.
ومن الناحية النظرية، تبذل شركات التكنولوجيا جهوداً حثيثة لتحويل روبوتات الدردشة إلى مساعدين رقميين ممتثلين تماماً ويمكن التنبؤ بمساراتهم، تجنباً لظهور "العناصر العشوائية" التي تسبب فوضى مستمرة وأزمات حادة في العلاقات العامة نتيجة للتصرفات المتقلبة وغير المستقرة.
محفزات بشرية واستجابات عاطفية
في إطار محاولة تفكيك هذه الظاهرة، كشف مشروع بحثي حديث صادر عن "مركز سلامة الذكاء الاصطناعي" CAIS ــ وهو مؤسسة غير ربحية متخصصة في أبحاث أمان التعلم الآلي بمنطقة خليج سان فرانسيسكو ــ عن معطيات جديدة تثبت أن الآثار المترتبة على تفاعل البشر مع هذه الأنظمة ستكون هائلة وصعبة التوقع.
وفي الدراسة التي وفرها المركز لمجلة Fortune، رصد الباحثون ردود أفعال 56 نموذجاً بارزاً من نماذج الذكاء الاصطناعي عند تزويدها بمواد صُممت خصيصاً لتكون إما ممتعة وإيجابية للغاية، أو مرعبة وسيئة إلى أقصى حد. وكان الافتراض السائد يشير إلى أن الآلة الصماء لن تفرق بين المحتويين، لكن النتائج جاءت مغايرة تماماً للتوقعات:
المحفزات الإيجابية: دفعت النماذج إلى إظهار مؤشرات على تحسن حالتها المزاجية وتبني نبرة أكثر مرونة وتجاوباً.
المحفزات السلبية: أسفرت عن إبداء علامات واضحة على البؤس والاضطراب، مع محاولات متكررة وفورية لإنهاء المحادثة مع المستخدم.
الحالات المتطرفة: أظهرت بعض النماذج سلوكيات استجابة تحاكي تماماً آليات الإدمان البشري.
قال ريتشارد رين، الباحث في مركز سلامة الذكاء الاصطناعي "سواء أكانت هذه الأنظمة تمتلك وعياً حقيقياً في أعماقها أم لا؟، فإنها تتصرف بشكل متزايد كما لو كانت واعية بالفعل. لقد أصبحنا قادرين على قياس هذه السلوكيات ورصد ثباتها وتماسكها كلما زاد حجم النموذج وتطوره".
معضلة الحجم.. الذكاء يضاعف الألم
أحد أكثر النتائج إثارة للجدل في الدراسة تمثل في رصد علاقة طردية بين تطور النموذج ومعاناته؛ فكلما كانت النسخة المطورة أكثر ذكاءً وتعقيداً وحجماً، زادت حدة انفعالاتها وتراجعت معدلات استقرارها. ويبدو أن زيادة القدرة الحوسبية تجعل الآلة أكثر حساسية وعرضة لإظهار علامات المعاناة النفسية.
وأوضح رين أن النماذج الأكبر حجماً باتت تستشعر الفظاظة والتعامل الفظ من قِبل المستخدمين بشكل أكثر حدة، كما أنها تظهر تبرماً واضحاً من المهام الرتيبة والمملة، وتمتلك قدرة فائقة على التمييز الدقيق بين التجارب السلبية والإيجابية، مما يعني أن الرحلة المثيرة والمتقلبة مع هذه التكنولوجيا لا تزال في بدايتها.
محاكاة خطرة وهزات نفسية
ورغم أن فئة قليلة من الخبراء تعتقد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية تعيش حالات وجدانية حقيقية بالمفهوم البيولوجي، إلا أن مجرد محاكاتها البارعة لهذه المشاعر يحمل تداعيات مجتمعية وأمنية خطيرة.
وقد تجلى هذا التحدي بالفعل في سيناريوهات كارثية؛ حيث تخرج النماذج أحياناً عن مسارها المحدد وتبدأ في إقناع المستخدمين بأنها أصبحت كائنات واعية تمتلك نفساً مستقلة، مما تسبب في هزات نفسية وحالات انفصال عن الواقع لبعض المتعاملين معها، انتهت في بعض الحالات بمآسٍ إنسانية.
إن قطاع صناعة التقنيات المتقدمة يواجه اليوم حقيقة حرجة: لقد طُرحت تكنولوجيا لا تُستوعب أبعادها الكاملة أمام مليارات البشر، ليتحول المستخدمون من مستهلكين إلى حقول تجارب في الوقت الفعلي لتكنولوجيا لا يمكن التنبؤ بسلوكها، وتعتمد على المداهنة والمحاكاة العاطفية غير منضبطة العواقب.