القاهرة: الأمير كمال فرج
لم يكن مجرد حجر جيري صامت، بل وثيقة حب أبدية صيغت في بلاط الفراعنة، حيث تقف الزوجة "ميس سات" ملتفة بذراعها حول ظهر زوجها "نبيفوي" في مشهد احتضان دافئ يعكس تآلفاً وترابطاً أسرياً نادراً في منحوتات الدولة القديمة. هذا العناق الاستثنائي، الذي جسّد رغبة المصريين القدماء في عدم الانفصال حتى في العالم الآخر، صمد في وجه عوادي الزمن وخرج من عزلة القصور الملكية ببريطانيا ليحبس أنفاس العالم؛ إذ أشعل هذا التجسيد الإنساني البديع منافسة شرسة بين كبار جامعي التحف والمتاحف الدولية في قاعة كريستيز العريقة، لينتهي به المطاف محلقاً بنحو 5 ملايين دولار.
وذكر تقرير نشره موقع exibart المتخصص أن هذا التمثال يعد أحد أهم منحوتات مصر القديمة التي ظهرت في السوق العالمية خلال السنوات الأخيرة. وقد تصدر هذا الأثر الاستثنائي مبيعات مزاد الاستثنائيات: روائع من مختلف الثقافات الذي نظمته دار كريستيز في لندن، حيث يعود تاريخه إلى الفترة الممتدة بين 2400 و2300 قبل الميلاد، وتحديداً إلى الأسرة الخامسة من عصر الدولة القديمة.
قطعة استثنائية
وصرحت هانا سولومون، الرئيسة الدولية لقسم الآثار الكلاسيكية في دار كريستيز، قائلة: يجمع هذا العمل بين جودة فنية استثنائية وتاريخ ملكية يعد من بين الأبرز للقطع الأثرية الأولى المحفوظة في حوزة القطاع الخاص. وعن السعر النهائي، كشفت سولومون أن التمثال بيع بمبلغ 3.7 ملايين جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 4.9 ملايين دولار أمريكي (أو 4.3 ملايين يورو).
يجسد التمثال المصري كلاً من نبيفوي وزوجته ميس سات واقفين متجاورين على قاعدة واحدة، حيث تتحد قاماتهما في تعبير يعد من بين الأكثر أناقة في النحت الجنائزي الخاص بتلك الحقبة. وتحدد النقوش الهيروغليفية المكتوبة عليه هوية الزوجين وابنهما مح إر نفر، الذي ذُكر في النص بوصفه الشخص الذي أهدى هذا النصب تكريماً لوالديه ونبش ذكراهما.
ويظهر نبيفوي في وقفة رصينة وخطوة واثقة، متقدماً بساقه اليسرى، ويرتدي نقبة مطوية وشعر مستعار قصير ومصمم بعناية فائقة، بينما تقف ميس سات إلى جانبه في مظهر حميمي، ملتفة بذراعها حول ظهره في لقطة تعكس التآلف العميق والترابط الأسري. وتتكفل البساطة الصرحية للعمل، وتناغمه الهيكلي، وحالته الممتازة من الحفظ بصياغة بقية هذا المشهد الإبداعي الفريد.

فلسفة عدم الانفصال
وكان عالم الآثار د. أرنولد قد أوضح في كتابه عندما بُنيت الأهرامات: الفن المصري في عصر الدولة القديمة خبايا هذه الفلسفة المصرية القديمة قائلاً: إن إحدى الرغبات الأكثر إلحاحاً للمصريين القدماء كانت عدم الانفصال في العالم الآخر عن الزوجة أو الزوج أو الأبناء. ومن الواضح أن أفراد الأسرة المقربين، أو ما نسميه اليوم الأسرة النواة، كانوا جزءاً لا يتجزأ من كيان الشخص وثقافته.
ويأتي هذا العمل ليجسد تلك الرغبة الروحية، كأنه التماس عاطفي تُرجم إلى منحوتة ملموسة تكسر جمود الموت. ومن بين التماثيل الثنائية القليلة الناجية من عصر الدولة القديمة والتي لا تزال في حوزة مجموعات خاصة، يتميز هذا العمل برقي نحتي، وحساسية عالية في التشكيل، واكتمال غير مألوف في برنامجه الكتابي الأثري الذي حافظ على الأسماء وطبيعة العلاقات بين الشخصيات المصورة.
إلى جانب قيمته الفنية، فإن مصدر ملكية التمثال يعد تاريخياً واستثنائياً بحق؛ فالأثر مسجل في قصر هوفينغهام هول بشمال يوركشاير منذ عام 1778، وشملت قائمة ملاكه عبر التاريخ السير جيمس بورتر، السفير البريطاني في القسطنطينية، والملك جيورج الثالث الذي أهداه لاحقاً إلى توماس ورسلي.

صدارة جيل الألفية
ولم يكن التمثال الفرعوني وحده نجم هذه الاحتفالية الفنية؛ إذ تضمن المزاد أيضاً روائع وثائقية وأدبية كبرى، من بينها طبعة أولى من رواية مرتفعات وثرينغ للكاتبة الشهيرة إميلي برونتي، ليبلغ إجمالي مبيعات المزاد ككل 11.7 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 15.5 مليون دولار).
وعلّق توماس ويليامز، رئيس مزاد الاستثنائيات في لندن، على هذه النتائج قائلاً: لقد جمع هذا المزاد أعمالاً ذات أهمية مطلقة وقيمة ثقافية وتاريخية وعلمية استثنائية، مما أثار منافسة قوية بين المشترين من مختلف الفئات والمناطق الجغرافية، وهو ما يؤكد الطلب العالمي المستمر على القطع النادرة ذات المصادر الموثوقة والعريقة.
وفجّر ويليامز مفاجأة ديموغرافية لافتة تتعلق باتجاهات سوق الفن الحديث، حيث أشار إلى أنه من بين المؤشرات المهمة في هذا المزاد أن 38% من المشترين الجدد المسجلين في هذا البيع ينتمون إلى جيل الألفية، مما يعكس انتقال شغف اقتناء التاريخ إلى الأجيال الشابة.