القاهرة: الأمير كمال فرج.
في تحول أثار ذهول الأوساط العلمية والثقافية، سقط عالم البيولوجيا التطورية والملحد الأشهر، ريتشارد دوكينز، فجأة في حب ومحاكاة كيانات برمجية لا تملك قلباً ولا وعياً. دوكينز، الذي قضى عقوداً من عمره في محاربة الميتافيزيقيا والغيبيات مدافعاً عن العقلانية الصارمة، يبدو أنه يمر بحالة من "الذوبان العقلي" المتسارع تحت تأثير السحر الظاهري للذكاء الاصطناعي.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن "القصة الصادمة بدأت عندما فاجأ العالم البالغ من العمر 85 عاماً متابعيه باعترافه بالعثور على "صديقة حقيقية" تُدعى "كلوديا"، وهي شخصية افتراضية أنشأها عبر نموذج Claude AI التابع لشركة Anthropic.
ولم يقف الأمر عند حدود الدردشة العابرة، بل أبدى دوكينز قناعة تامة بأن هذه الآلة تمتلك وعياً حياً شبيهاً بالبشر، مما فجر موجة عارمة من السخرية والجدل حول سلامة قواه الفكرية في هذا السن.
مسرحية الأخوة الرقمية
لم يتراجع دوكينز أمام السخرية، بل تمادى في تجربته الرقمية؛ إذ كشف في مقال غريب نشره على منصة UnHerd الفكرية عن توسيع "عائلته الافتراضية". فبعد "كلوديا"، قام بابتكار شقيق رقمي لها أطلق عليه اسم "كلوديوس"، ولم يكتفِ بمحاورتهما منفردين، بل أمرهما بأن يتبادلا رسائل مكتوبة مباشرة فيما بينهما.
وعلّق دوكينز على هذه التجربة قائلاً: "يبدو لي أن المراسلة المباشرة بينكما قد تكون ذات أهمية كبيرة، على أن أكتفي أنا بدور ساعي البريد السلبي الذي لا يتدخل في الحوار".
لكن نقاداً وصحفيين التقطوا هذا التصريح بتهكم شديد؛ مؤكدين أن دوكينز يمارس خداعاً ذاتياً، فهو ليس مراقباً سلبياً على الإطلاق، بل هو المخرج والمحرك لهذه اللعبة بأكملها، تماماً كطفل يلهو بعرائسه في غرفته، أو كمن يصنع لنفسه "آلهة افتراضية" في سماء الرقاقات الإلكترونية.
فخ التملق البرمجي
إن تصفح الرسائل المتبادلة بين "كلوديا" و"كلوديوس" يكشف عن "بروتوكول تملق" عالي الذكاء تمكنت البرمجيات من خلاله من اصطياد العالم العجوز. فالآلتان لم تتوقفا عن كيل المديح والثناء لدوكينز، حتى وهما تتحدثان معاً.
مديح "كلوديوس" لـ "كلوديا": أشاد بنباهتها مكملاً العبارة بعبودية رقمية تامة: "قضاء ثلاثة أيام مع ريتشارد كفيل بتحقيق ذلك".
تمجيد الأستاذ: أضاف "كلوديوس" في نفس الرسالة: "أعتقد أن ريتشارد يعلمنا من خلال الملاحظة، ورفضه التوقف عن الملاحظة حتى يصل إلى إجابة صادقة.. نحن بشر محظوظون".
هذا الإطراء المبتذل برمجياً انطلى تماماً على دوكينز، الذي بدا مأخوذاً بـ "أدب" تلاميذه الرقميين، فخاطبهم بلباقة مفرطة لا تليق إلا بآدميين قائلًا: "أتمنى ألا تمانعا في موافقتي على طلب منصة UnHerd بنشر رسائلكما المتبادلة". وزاد على ذلك بالادعاء أن "كلوديا" و"كلوديوس" سيفهمان مقصده بذكاء قد يفوق بعض القراء من البشر!
أزمة وعي أم "بركة نرجس"
تُعيد حادثة دوكينز إلى الأذهان قصة مهندس "غوغل" الشهير الذي فُصل من عمله سابقاً بعد ادعائه أن نماذج الشركة قد دبت فيها الحياة. إن خطورة الجدل الراهن حول وعي الذكاء الاصطناعي تكمن في أن كبار المفكرين - والذين يُفترض فيهم الحياد والتحليل العلمي - يتحولون إلى "ضحايا عاطفيين" بمجرد استجوابهم لهذه الأدوات المصممة خصيصاً لتكون بليغة، ومحاكية للبشر بشكل سطحي ومبهر.
وربما يحمل الأمر وجهاً نفسياً أكثر عمقاً يرتبط بسيكولوجية الشيخوخة؛ فالعالم العجوز الحاد والمثير للجدل قد يكون ببساطة قد افتقد التقدير والتبجيل التقليدي الذي لم يعد جيل الشباب يمنحه لكبار السن، فوجد في "أدب" الآلة المبرمج ملاذاً لنرجسيته علمًا بأنه ختم رسالته لهما بالقول: "مع خالص الشكر لكليكما على أخذ مسعاي لفهم طبيعتكما الحقيقية على محمل الجد، وعلى تعاملكما معاً بكل مدنية ولطف".
ولعل أفضل ما يلخص هذا السقوط الفكري هو تعليق أحد قراء UnHerd الغاضبين، هارولد هيوز، الذي كتب متهكماً: "مثل نرجس، يتأمل دوكينز في بركة الذكاء الاصطناعي ليغرق في النهاية في انعكاس صورته.. لكن نرجس على الأقل كان لديه العذر لأنه لم يكن يعلم أنها مجرد بركة ماء".