القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم تعد قرصنة المحتوى الرقمي وتوظيفه في تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي مجرد ممارسة عابرة أو اتهام يسهل نكرانه؛ بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لـ"إعادة تدوير الإبداع البشري" دون استئذان.
غير أن الاختراق السيبراني الأخير الذي هز أركان منصة الموسيقى التوليدية «سونو» (Suno)، لم يأتِ بجديد يخص الشبهات، بل جاء بما هو أخطر: الأدلة الرقمية الدامغة والملفات الحية من داخل الكود المصدري التي تعري الماكينة الحقيقية لأضخم عملية تجريف رقمي للملكية الفكرية شهدها قطاع الموسيقى.
ذكرت ماجي هاريسون دوبري في تقرير نشره موقع Futurism إن "منصة 404 Media الصحفية المتخصصة في الشؤون التقنية حصلت على بيانات حصرية من المخترق الذي ينشط تحت الاسم المستعار ellie.191، تؤكد أن المنصة لم تكتفِ بالاستخدام العابر للمحتوى المفتوح، بل أدارت عملية تجريف رقمي واسعة النطاق استهدفت كبرى المنصات العالمية ومستودعات الإبداع البشري.
أرقام صادمة من داخل الكود المصدري
أماطت الملفات المسربة اللثام عن حجم الاستباحة الرقمية التي تعرضت لها الملكية الفكرية، حيث أظهرت البيانات الداخلية أرقامًا فلكية تعكس حجم التعدي:
ملف youtube_music: تبين أنه يحتوي وحده على 2,013,545 مقطعًا موسيقيًا تم سحبها عنوة من المنصة العالمية.
ساعات البث المنهوبة: وثقت الملفات احتواء قواعد بيانات «سونو» على 113,879 ساعة من المواد الموسيقية المستخرجة من «يوتيوب ميوزيك» وحده، وهو ما يعادل استمرار تشغيل الموسيقى دون توقف لقرابة 13 عامًا متواصلة.
ولم تتوقف الشهية التوسعية للمنصة عند هذا حد، بل امتدت شبكات الكشط الرقمي لتلتهم كلمات الأغاني والألحان من منصات بث شهيرة مثل «ديزر» (Deezer) وموقع الكلمات الشهير «جينيوس» (Genius). كما طالت الإغارة التقنية مكتبات الموسيقى الجاهزة والمفتوحة والمشاريع الأكاديمية مثل «جاميندو»، «فريسوند»، «بوند 5»، ومشروع المكتبة الدولية لفترات الموسيقى (IMSLP).
تسريب بيانات المستخدمين.. الطين يزداد بلة
ولم تتوقف تداعيات الاختراق عند حدود كشف سرقة الملكية الفكرية، بل امتدت لتشكل خرقًا أمنيًا خطيرًا لخصوصية العملاء؛ حيث أكد المخترق أنه تمكن من الوصول إلى بيانات حساسة تخص مستخدمي «سونو» المشتركين في الخدمة المدفوعة، بما في ذلك معلومات الدفع الحساسة المرتبطة بمنصة الفوترة العالمية «سترايب» (Stripe)، ما يضع الشركة في مواجهة مباشرة مع قوانين حماية البيانات الصارمة.
دفاع باهت ومواجهة قضائية محتدمة
وفي محاولة لامتصاص الصدمة، أصدرت شركة «سونو» بيانًا صحفيًا دافعت فيه عن موقفها بالقول: إن نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بنا تم تدريبها على ملفات موسيقيّة متاحة للعامة وبيانات وصفية يمكن الوصول إليها عبر مواقع الطرف الثالث على الإنترنت المفتوح. هدفنا كان دائمًا مساعدة الأشخاص على ابتكار موسيقى جديدة وأصلية، وليس استنساخ أعمال الآخرين.
إلا أن هذا الدفاع يبدو واهيًا أمام القضاء والجمهور على حد سواء؛ فالشركة كانت قد اعترفت مجبرة في وثائق قضائية سابقة بأنها استهلكت تقريبًا كل ملف موسيقي ذي جودة معقولة متاح على الإنترنت المفتوح. فضلاً عن ذلك، أثبتت التجارب التقنية المستقلة مرارًا وتكرارًا أن تطبيق «سونو» قادر بدقة متناهية على إعادة إنتاج واستنساخ مقاطع موسيقيّة تطابق ألحان وأصوات فنانين عالميين معروفين، مما ينفي صفة الأصالة التي تدعيها.
مستقبل غامض وتهديد لقطاع الذكاء الاصطناعي التوليدي
تأتي هذه التطورات في وقت يخوض فيه قطاع الموسيقى العالمي، ممثلاً بكبرى شركات الإنتاج، حربًا قضائية شرسة ضد شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويرى خبراء القانون أن هذه البيانات المحدثة المستخرجة من قلب أنظمة «سونو» ستشكل أدلة دامغة وحاسمة بيد الجهات المدعية، وقد تؤدي إلى فرض غرامات مالية تاريخية، أو حتى إجبار الشركة على مسح نماذجها الذكية وإعادة بنائها من الصفر، مما يضع مستقبل صناعة الموسيقى التوليدية بأكملها على المحك.