القاهرة: الأمير كمال فرج.
في قراءة نقدية متعمقة لكتاب الباحثة جويس تيلدسي «وجه نفرتيتي: صناعة أيقونة» (Nefertiti’s Face: The Creation of an Icon)، تسلط الكاتبة كاترين هيوز الضوء على اللغز الذي جعل من تمثال نصفي لملكة مصرية عاشت قبل أكثر من 3000 عام، أحد أكثر الرموز البصرية تأثيراً في الثقافة الحديثة منذ عرضه للجمهور في برلين عام 1924.
فبالرغم عينها اليسرى المفقودة التي أطفأها الزمن، استطاعت الملكة نفرتيتي أن تغدو التجسيد المطلق للكمال الأنثوي عبر العصور. فبتناسق ملامحها البديع، وبابتسامتها الغامضة التي تجيء في المرتبة الثانية من حيث الشهرة بعد ابتسامة «المونا ليزا»، أُقحم وجهها في خدمة التسويق التجاري لكل شيء؛ من الرحلات البحرية والملابس الداخلية النسائية، وصولاً إلى تعليقات المفاتيح والقمصان القطنية، بل وحتى إعلانات جراحات التجميل.
حتى آن امرأة بريطانية أنفقت مؤخراً 200 ألف جنيه إسترليني وخضعت لثماني عمليات لتجميل الأنف وثلاث جراحات لزرع الذقن، في محاولة لنحت وجهها وتحويله إلى نسخة مكررة من أشهر ملكات مصر القديمة نفرتيني".
اكتشف تمثال نفرتيتي للمرة الأولى عام 1912، حين كان علماء الآثار التابعون للجمعية الشرقية الألمانية ينقبون في التربة الهشة للضفة الشرقية لوادي النيل الأعلى. وفي موقع «تل العمارنة»، عثر الباحثون على ورشة عمل «تحتمس»، نحات البلاط الملكي الذي كُلف في حدود عام 1350 قبل الميلاد بصنع مجموعة من التماثيل والنحوت للأسرة الحاكمة، لتكون بديلاً عن مجمع الآلهة القديم ذي الرؤوس الحيوانية".
وبحلول الوقت الذي وصل فيه «لودفيغ بورشارت» وزملاؤه بمعاولهم ومناخلهم، لم يكن قد تبقى الكثير من تماثيل الأمراء والأميرات؛ مجرد أذن، وفم، وقدمين، وأجزاء من وجوه بلا آذان. غير أنه وسط هذا الركام المزيج من الحجر الجيري والجبس، برز تمثال نصفي مكتمل للزوجة الملكية العظمى للفرعون أخناتون، مشعاً ببهائه وتاجه الأزرق المسطح المتميز. وفي تلك الليلة، كتب بورشارت المأخوذ بالحدث في مذكراته: «إنه عمل رائع بحق.. لا فائدة من محاولة الوصف، عليك أن تراه بنفسك».
بين أسطورة الحكم وملامح الأنوثة
قد يبدو وصف بورشارت لنفرتيتي بصيغة غير حية أمراً غريباً، لكنه ربما كان يستجيب للطريقة التي أضفى بها تحتمس على الملكة فكاً قوياً ولَمحة تشبه «تفاحة آدم». وقد كانت هذه اللمسة التي تقترب من الذكورة كافية لإثارة نقاشات حامية بين العلماء لاحقاً حول احتمال أنها حكمت مصر بمفردها وبسلطتها المستقلة عقب وفاة زوجها، على غرار الملكات الفراعنة اللاتي ارتدين اللحى المستعارة.
غير أن المشكلة الوحيدة في هذه النظرية — كما توضح تيلدسي — هي أن التماثيل كاملة الطول لنفرتيتي تظهرها بملامح الثديين الارتخائيين والبطن الممتلئ المستدير، وهي سمات نموذجية لقرينة ملكية ناضجة وأم رمزية لشعبها. كما أن ولادتها من عامة الشعب كانت تحول دون جلوسها على العرش بحقها الشخصي. أما فيما يتعلق بعينها المفقودة، فلا تعير تيلدسي أي اهتمام للأسطورة الخيالية التي تزعم أن النحات تحتمس اقتلع العين عقاباً للملكة الجميلة التي صدّت حبه؛ إذ يغلب على الظن أن الشريحة الكريستالية الدقيقة والشمع الأسود قد سُحقا تحت الأقدام أثناء تعرض الورشة لعمليات النهب الدورية.
العرض العام في برلين 1924: ميلاد الأيقونة
تكتسب المادة التاريخية في هذا الكتاب زخمها الحقيقي وحيويتها عندما يُعرض تمثال نفرتيتي أمام الجمهور في برلين عام 1924. فبدلاً من الاقتصار على التكهنات العلمية الدقيقة حول شظايا الحجر الجيري، تأخذنا تيلدسي لنغوص في أجواء مفعمة بدسائس الكبار، والشائعات، والشغف الجمالي، وكحل العيون المجنح.
فقد أدى اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون الباذخة قبل ذلك بعامين (عام 1922) إلى توجيه أنظار العالم بأسره نحو مصر. وفي زمن كانت فيه أوروبا تفجع بفقدان شبابها في الحرب العالمية الأولى، جاء الكشف عن أن الفراعنة يبعثون موتاهم إلى العالم الآخر مجهزين بأبهى الملابس، والأغذية، والحيوانات الأليفة، ليقدم نوعاً من العزاء النفسي. وجاء موقع نفرتيتي بوصفها زوجة والد الفرعون الشاب وحماته في الوقت نفسه، ليضعها في قلب هذا العالم المتفائل حيث الموت ليس سوى غرفة انتظار مفروشة ومؤثثة تؤدي إلى عطلة نهاية أسبوع في بيت ريفي جميل.
يضاف إلى ذلك مظهرها الجذاب؛ ففي عصر كانت فيه سيدات المجتمع الراقي يحضرن الحفلات بشرائط شعر ملتوية ودبابيس على شكل جعلان مرصعة بالجواهر، كانت الملكة المصرية تشبه نجمات السينما اللاتي يُشاهدن في العروض السينمائية لأيام السبت، داخل دور السينما المصممة بطراز «الآرت ديكو» المتأثر بالطابع المصري. وبفضل جمالها الشرقي الساحر دون أن يكون غريباً المنفر، احتلت نفرتيتي مساحة جذابة ومائعة، تحولت فيها أنثوية الحياة اليومية بمخاوفها الاقتصادية والسياسية إلى عرض من أرق العروض وأرقى مظاهر الأناقة.
الجدل الاستعماري والتجاذب السياسي
طوال ما يقرب من قرن من استقرار تمثال نفرتيتي في المتحف الجديد Neues Museum في برلين، لم تتوقف الخلافات والهمهمات المتعلقة بالاستحواذ الاستعماري والمطالبات بالاسترداد. وترى تيلدسي بجلاء أن الصفقة التي حصل بموجبها الألمان على التمثال النصفي كانت قانونية وإن لم تخلُ من الانتهازية والخداع.
ومع ذلك، لم تمنع تلك التفاصيل السلطات من المطالبة به مراراً. ففي عام 1933، كان هيرمان غورينغ على وشك شحن التمثال إلى الملك فؤاد كبادرة حسن نية سياسية، لولا تدخل أدولف هتلر الذي ألغى الصفقة بأسلوب هيستيري، معلناً أنه واقع في حب الملكة المصرية ويريد الاحتفاظ بها لنفسه. وتلك إشارة جلية إلى قدرة نفرتيتي على التبدل والتحول بين الثقافات، ومخاطبة أطياف مختلفة من الرغبات، إلى حد جعل المستشار الألماني يتخيل — بملء رضاه — أن الملكة المصرية كانت في واقع الأمر تجسيداً مثالياً للعرق الآري.