الأمير كمال فرج
داخل مبنى هادئ تابع لمتاحف برلين الحكومية، يعمل عدد محدود من الفنانين والحرفيين على إعادة إحياء أشهر روائع الحضارات القديمة.
ذكر تقرير نشره موقع avax.news إن "في ورشة النسخ Gipsformerei، لا تُصنع التماثيل للتقليد أو التزييف، بل لإنتاج نسخ متحفية دقيقة تحافظ على التراث الإنساني وتنقله إلى المتاحف والجامعات وهواة الاقتناء حول العالم".
ومن بين أكثر الأعمال التي تستقطب الاهتمام، تقف نسخة تمثال الملكة المصرية نفرتيتي، التي أصبحت إحدى أبرز أيقونات الحضارة المصرية القديمة. وفي إحدى زوايا الورشة، تنهمك الفنانة يوهانا جاسمان في وضع اللمسات اللونية الأخيرة على نسخة جديدة من التمثال، مستخدمة فرشًا دقيقة وأصباغًا معدنية لإعادة إنتاج كل تفصيلة لونية كما ظهرت في الأصل قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
نسخ مطابقة للأصل
لا تعتمد الورشة على القوالب التقليدية، بل على قوالب أُعدت مباشرة من الأعمال الأصلية أو من قوالب تاريخية محفوظة منذ القرن التاسع عشر. وتُصب النسخ باستخدام الجبس عالي الجودة ومواد تقوية خاصة، ثم تُعالج يدويًا لإزالة أدق العيوب قبل أن تبدأ مرحلة التلوين، وهي أكثر المراحل تعقيدًا، إذ تتطلب محاكاة آثار الزمن والتشققات والدرجات اللونية الأصلية بدقة متناهية.
وفي حالة تمثال نفرتيتي، استغرقت عملية تطوير النسخة الجديدة نحو عامين، بعد إجراء دراسات دقيقة للألوان والمواد وتقنيات التنفيذ، بهدف إنتاج نسخة تعد الأقرب إلى الأصل منذ اكتشاف التمثال عام 1912.
20 نسخة فقط سنويًا
لا تنتج الورشة سوى نحو 20 نسخة سنويًا من تمثال نفرتيتي، ويبلغ سعر النسخة الواحدة 8900 يورو، بينما يظل التمثال الأصلي معروضًا في متحف نويِس (Neues Museum) في برلين، حيث يستقطب مئات الآلاف من الزوار سنويًا. وتُباع النسخ لهواة الاقتناء والمتاحف والمؤسسات الثقافية باعتبارها نسخًا رسمية معتمدة، وليست أعمالًا تجارية أو مقلدة.
أقدم ورشة نسخ في العالم
تُعد ورشة النسخ التابعة لمتاحف برلين من أقدم المؤسسات المتخصصة في إنتاج النسخ الفنية، إذ تأسست عام 1819، وتضم اليوم آلاف القوالب التي توثق أعمالًا فنية من حضارات مصر واليونان وروما والشرق الأدنى وأوروبا. ولا يقتصر دورها على تصنيع النسخ، بل تعمل أيضًا كأرشيف ثلاثي الأبعاد يسهم في حفظ الأعمال المهددة بالتلف أو الفقدان، ويتيح للباحثين والطلاب دراسة روائع الفن العالمي دون تعريض القطع الأصلية للمخاطر.
حفظ التراث لا تزويره
ويؤكد القائمون على الورشة أن الفرق الجوهري بين النسخة المتحفية والقطعة المزورة يكمن في الهدف والشفافية؛ فالنسخ المنتجة في الورشة تحمل تعريفًا واضحًا بأنها نسخ رسمية، وتُستخدم لأغراض تعليمية وثقافية وعرضية، بينما تهدف القطع المزورة إلى خداع المشترين أو تزوير التاريخ. ولهذا أصبحت الورشة نموذجًا عالميًا في كيفية توظيف الحرف التقليدية والتقنيات الحديثة لخدمة صون التراث الإنساني ونشره.