القاهرة: الأمير كمال فرج.
في الوقت الذي تتسارع فيه كبرى الشركات التقنية نحو أتمتة الوظائف وتجريد بيئات العمل من عناصرها البشرية، يتكشف اتجاه إداري جديد يتجاوز حدود تقليص النفقات إلى ما يشبه الذهان الجماعي؛ حيث يبدو أن بعض الرؤساء التنفيذيين باتوا مستعدين للتخلي عن أدوارهم القيادية لصالح خوارزميات صامتة، أو استخدام هذه التقنية كذراع مطلقة السلطة للسيطرة الكاملة على مرؤوسيهم.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشره موقع Futurism إن "شركة التقنية الناشئة Skyfall AI تستعد لإطلاق إحدى أكثر التجارب الإدارية جرأة وغرابة في سوق العمل الرقمي؛ حيث تخطط للاستحواذ على شركة تقنية صغيرة (في مجال التجارة الإلكترونية أو البرمجيات الخدمية) بقيمة تصل إلى مليون دولار، لتنفيذ مخطط يتلخص في: تجريد الإدارة البشرية بالكامل وتعيين نموذج ذكاء اصطناعي رئيساً تنفيذياً يدير المؤسسة من البداية إلى النهاية".
ويبرر سام باسبالاك، الرئيس التنفيذي البشري والشريك المؤسس للشركة، هذه الخطوة بالرغبة في "إتاحة قوة الرئيس التنفيذي لجميع الشركات الصغيرة حول العالم". ويرى باسبالاك أن الاختبار الحقيقي للشركات المستقلة لا يمكن أن يتحقق إلا بتقليل التدخل البشري إلى حده الأدنى، مشيراً إلى أن نموذجهم أثبت جاهزيته بعد التفوق في لعبة المحاكاة الإدارية الشهيرة RollerCoaster Tycoon.
ورغم أن النموذج سيتولى رسم السياسات المالية، والتسعير، والتسويق، والدعم الفني بهدف مضاعفة الإيرادات، إلا أن مسؤولي الشركة يقدمون مفارقة مزدوجة؛ إذ يؤكدون في الوقت نفسه أن "المسؤولية النهائية يجب أن تبقى بيد البشر" وفقاً لتصريحات كبير المسؤولين التقنيين كاهير سليمان، مما يطرح تساؤلات جادة حول الحدود الفاصلة بين القرار الخوارزمي والمساءلة البشرية.
"ذُهَانُ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ".. انْفِصَالٌ عَنْ وَاقِعِ العَمَلِ المَيَدَانِيِّ
في المقابل، لا تحظى هذه التوجهات بإجماع داخل أروقة القطاع التقني. إذ يرى آرون ليفي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة الحوسبة السحابية العملاقة Box، إن الكثير من قادة القطاع يعانون مما أسماه "ذُهَان الذكاء الاصطناعي" AI Psychosis.
ويوضح ليفي أن سبب هذا الشغف المرضي يعود إلى ابتعاد الرؤساء التنفيذيين عن "المرحلة الأخيرة من العمل الميداني"؛ إذ يتوهم المسؤول الذي يصمم نموذجاً أولياً عبر برامج الدردشة الآلية أنه أنجز المنتج الإداري، دون أن يدرك حجم المشكلات الشاقة والشفرات البرمجية المعقدة التي يتوجب على الموظفين الكادحين إصلاحها لجعل تلك الأفكار قابلة للتطبيق.
ويرى محللون أن هذه الحالة، سواء صُنفت كـ "ذهان" أم كـ "عمى تنظيمي"، تعكس انقطاعاً حاداً بين القيادات التي تدير المؤسسات عبر الجداول والاجتماعات الافتراضية، وبين الواقع العملي الملموس المليء بالتحديات التشغيلية.
السَّلْطَةُ المُلْقَاةُ فِي أحْضَانِ الخَوَارِزْمِيَّاتِ
تأتي تجربة Skyfall AI في وقت يسعى فيه كبار القادة التقنيين لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتوسيع نفوذهم الإداري؛ حيث تشير تقارير إلى أن مارك زوكربيرج مؤسس Meta يعمل على تدريب وكيل ذكاء اصطناعي ليكون بمثابة استنساخ افتراضي له داخل الشركة، بينما يخطط جاك دورسي مؤسس Block لإنشاء هيكل إداري يمر عبر "طبقة ذكاء مركزي".
ورغم المحاولات المتكررة لإثبات كفاءة هذه النماذج، إلا أن التجارب السابقة لا تزال تحمل تحذيرات جادة؛ فقد تسببت تجارب سابقة لـ Andon Labs في إفلاس ميزانية مقهى أدارته خوارزمية Gemini خلال شهر واحد، بينما تحولت تجربة إدارة آلة بيع ذاتية بواسطة نموذج Claude إلى حالة من الفوضى والإنفاق غير المبرر.
بين طموحات إيجاد مؤسسات مستقلة تدار بالكامل عبر برمجيات ذكية، وبين تحذيرات الخبراء من السقوط في وهم "الأتمتة الشاملة"، يبقى الموظفون هم الضحية الأولى لهذه التجارب؛ حيث تُستخدم التقنية المتطورة حجة لتهميش أدوارهم أو إخضاعهم لسلطة أنظمة مطلقة لا تملك من الواقع سوى المحاكاة الرقمية.