القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم تعد الهفوات الناجمة عن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي مجرد نوادر تقنية يتداولها مستخدمو الشابكة، بل تحولت إلى ظاهرة تكشف عن تراجع خطير في معايير الجدية والأمانة المهنية لدى النخب السياسية. فقد أثارت الحادثة التي شهدها برلمان مقاطعة "نيو برونزويك" الكندية موجة واسعة من الاستهجان، بعدما قرأ البرلماني بيل أوليفير توجيهًا تنفيذيًا صادرًا عن نموذج ذكاء اصطناعي وسط خطابه الرسمي، دون أن يرف له جفن أو يدرك خطأه.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن "أوليفير كان يلقي كلمة تتعلق بثقة الجمهور في المؤسسات الاستشارية، ليقحم فجأة عبارة توجيهية نُقلت نصًا من واجهة المحادثة الآلية: "ثقة الجمهور في مكتب المدافع أمر بالغ الأهمية... وإليكم نسخة أكثر سلسة وطبيعية من هذا الجزء، صُممت لتقرأ كخطاب تشريعي بدلاً من سلسلة نقاط قصيرة."
أظهر التوثيق المصور للواقعة أن المشرع واصل القراءة بنبرة رتيبة ودون أي توقف، مما أثار علامات استفهام كبرى حول ما إذا كان قد طالع كلمته ولو لمرة واحدة قبل اعتلاء المنصة، أم أنه اكتفى بتسلم ورقة مطبوعة صاغتها الآلة ودفع بها إلى الجمهور دون تدقيق.
غضب شعبي: "نطالب طلاب المدارس بمعايير أعلى"
أثارت المقاطع المقتطعة من كلمة أوليفير عاصفة من الغضب عبر المنصات الرقمية ومجموعات النقاش المحلية، حيث اعتبر المواطنون الواقعة استهانة صريحة بمسؤولية التمثيل النيابي.
وعلق أحد المتابعين بحدة: "إذا مرت هذه الواقعة دون حساب، فهذا يعني أننا نلزم طلاب المدارس الثانوية بمعايير نزاهة ودقة في أبحاثهم أعلى بكثير مما نطالب به ممثلينا المنتخبين." وتساءل آخر: "لو ارتكب محامٍ هذه السقطة أمام القضاء لتعرض للعزل والعقاب المسلكي، فما الذي يجعل السياسي استثناءً من قواعد المحاسبة؟"
ولم تتوقف المطالبات عند حدود السخرية، بل امتدت لتشمل دعوات صريحة للبرلماني بالاستقالة، متهمين إياه بـ "الكسل الذهني" والتخلي عن جوهر العمل التشريعي القائم على الفكر والتواصل الإنساني المباشر.
ازدواجية المعايير: الصرامة القضائية في مواجهة التهاون السياسي
تأتي هذه السقطة البرلمانية لتسلط الضوء على مفارقة لافتة في التعامل مع تجاوزات الذكاء الاصطناعي؛ فبينما تتساهل المؤسسات السياسية مع هذه الهفوات، تفرض الهيئات القضائية عقوبات رادعة على أي استخدام غير مسؤول للتقنية:
عقوبات الاستئناف الفدرالي: فرضت محاكم استئناف أمريكية عقوبات مسلكية بحق محامين قدموا مذكرات تتضمن استشهادات وقضايا وهمية اخترعتها خوارزميات الذكاء الاصطناعي (ما يُعرف بالهلوسة البرمجية).
الغرامات والحرمان من الممارسة: أصدرت محكمة فدرالية في ولاية ميسيسيبي أحكامًا بغرامات مالية وحرمان من الترافع لسنوات بحق محامين تهاونوا في مراجعة النصوص التوليدية.
سؤال أخلاقي: القانون وتضليل العدالة
تطرح هذه المقارنة سؤالاً أخلاقيًا وسياسيًا حادًا: كيف يُحاسب القانون من يضلل العدالة بتقرير آلي، بينما يستمر المسؤول التشريعي في صياغة القوانين وتوجيه السياسات العامة عبر أداة تنوب عنه في التفكير؟
خلو الخطاب من الروح الإنسانية
إن خطورة الاعتماد المطلق على الذكاء الاصطناعي في الخطاب السياسي لا تقف عند حدود الأخطاء الإملائية أو الشكليات المطبعية، بل تمتد لتفرغ العمل السياسي من مضمون الاستجابة الوجدانية والفكريّة؛ فالنماذج الآلية قادرة على إعادة تدوير الكلمات المفتاحية وضبط الصياغات اللغوية، لكنها عاجزة كليًا عن تقديم التزام أخلاقي أو رؤية حقيقية.
إن اللجوء لتسليم "العقل" لآلة تنطق بالصيغ المكررة يبعث برسالة مفادها أن المتحدث لا يكترث بجمهوره، وأن العمل العام تحول لديه إلى مجرد شأن شكلي يُدار بأقل قدر ممكن من الجهد الإنساني.