القاهرة: الأمير كمال فرج.
في عالم تسحقه خوارزميات المراقبة وتتخبط شركاته الكبرى في مستنقع الانتهاكات، تأتي السخرية أحيانًا كأصدق تعبير عن أزمة العصر. وحين تُقرر شركة تقنية رائدة أن تواجه جنون الذكاء الاصطناعي وكاميرات التجسس بقطعة بلاستيك خالية تمامًا من أي شريحة ذكية، فإنها لا تُقدّم منتجًا تجاريًا فحسب، بل تُعلن بيانًا احتجاجيًا ساخرًا ينتصر لحق الإنسان في الاختفاء والخصوصية. من هنا، تعيد نظارات DuckDuckGo رسم حدود العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع على إيقاع السخرية اللاسعة والابتكار العكسي.
ذكر فيكتور تانغرمان في تقرير نشره موقع Futurism إن "شركة Meta فتحت أبواب الجحيم على مصراعيها حين أطلقت نظاراتها الذكية المدعومة بالتقنيات الحديثة، إذ تحولت تلك الإكسسوارات باهظة الثمن إلى ساحة جدل ساخنة حول منظومة الخصوصية. فقد استغل أشخاص سيئو النوايا كاميراتها الدقيقة والخفية للتحرش بالمارة في الأماكن العامة، لتكتسب النظارات سريعًا لقبًا فاضحًا هو "نظارات المنحرفين".
تحت وطأة فضائح التجسس العشوائي، بات " مالكو تلك الأجهزة – التي تكلف المئات – يخشون ارتداءها في العلن، بينما تقف Meta عاجزة عن ضبط سلوك مستخدميها المتهورين.
نظارة خالية من الإلكترونيات
وفي خضم هذا العبث التقني، اختار محرك البحث DuckDuckGo – المعروف بمواقفه المناهضة لهيمنة عمالقة التكنولوجيا – أن يقتنص اللحظة بابتكار ساخر يضمن خلوه التام من أي جدل؛ فقدم نظارة بلاستيكية بحتة تخلو من أي أثر للإلكترونيات.
وجاء هذا المنتج ثمرة تعاون مع صانعة النظارات Knockaround تحت شعار "النظارات الشمسية الأكثر ابتكارًا لمكافحة التجسس في العالم"، والتي سُميت بجرأة: "نظارات شمسية عادية تمامًا".
وتتباهى الشركة المصنعة بمواصفات منتجها قائلة: "بلا كاميرا، ولا ميكروفون، ولا ذكاء اصطناعي، ولا بطارية، ولا أية إلكترونيات من أي نوع. مجرد إطار أسود مطفي التصميم، يحمل شعار دك دك غو اللامع، ومخصص لحجب أشعة الشمس فحسب، ودون إرسال بايت واحد إلى السحابة". ولم تكن الحملة خيالًا، بل اضطرت الشركة لتأكيد الجدية عبر منصة X بالقول: "نعم، هذه النظارات حقيقية بالفعل".
وعلى الصعيد التجاري، تشكل النظارة صفقة رابحة بسعر لا يتجاوز 35 دولارًا، مقارنة بنظارات Meta التي تبدأ من 299 دولارًا.
ردود ساخرة
شاركت صحيفة The Onion الساخرة في الترويج للحملة عبر اقتباس تعليقات وهمية لاقت رواجًا واسعًا، أبرزها تقييم ساخر بنص: "0/10.. عديمة الفائدة تمامًا للمنحرفين"، وأضاف آخر متندراً: "يبدو أنني سأضطر لانتهاك خصوصية الناس بالطريقة الكلاسيكية من خلف الشجيرات".
يبدو أن هذه المناورة التسويقية تؤتي أكلها؛ إذ كشف ممثل عن "دك دك غو" لموقع CNET عن بيع نسبة معتبرة من المخزون، رغم صدور الأرقام التفصيلية مبكرًا عن المعتاد.
وتعكس هذه الضجة حالة التخمة المجتمعية من فرض تقنيات الذكاء الاصطناعي قسرًا في كل تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما تُرجم بوضوح على لسان أحد مستخدمي منصة BlueSky الذي علق باستهجان محبب: "هذه بداية طيبة.. فهل يمكننا الحصول على تلفزيون عادي تمامًا وثلاجة عادية تمامًا في المرة القادمة؟"