
شاهدتُ مسلسل "تحت السن"، وهو من بطولة فتيات في مقتبل العمر، فشعرت بغصة قوية كادت تخنقني. ليست كل المشاكل التي تواجهها البنات هنا بسبب انفصال الأم والأب أو الطلاق؛ فهناك بعض الأسر غير مفككة، لكن أبناءها يعانون من الإهمال، وبالأخص "الإهمال العاطفي". فالأمر لا يقتصر على توفير أساسيات الحياة من مأكل وملبس وتعليم، بل هناك احتياج آخر نفسي وروحي يجب توفيره؛ الحب والعناية النفسية من قبل الأم والأب هما العاملان الأساسيان لتربية طفل سويّ نفسياً واجتماعياً. كما أن الاهتمام الذكوري للبنت وإشباعها عاطفياً أمر واجب، حتى لا تبحث عنه في الخارج..
في بداية مشاهدة المسلسل، الذي عرض على منصة شاهد، بطولة عمر وهبة، وفرح يوسف، و جيدا منصور ، وإخراج يحي إسماعيل ، اندهشتُ من هدوء الأم وحزنها المتزن وردود أفعالها المحسوبة؛ أيُّ أمٍّ يمكنها تحمل فقد ابنتها بهذا الثبات والصبر؟ هل هذه قلة حيلة أم أنها مغيبة نفسياً؟ هل كان ذلك بسبب صدمتها القديمة من هجر الزوج وتركه للبيت دون علمهم وراء نزوة جديدة انتهت بالزواج؟ إنه استهتار وعبث دفع ثمنه سيدة وطفلة كانتا تحتاجان للأمان والحب. ولكن لكل شيء نهاية، ولن ينجو أحد بفعلته في نهاية المطاف.
مع مرور الحلقات اكتشفت ان الأم ضيعت ابنتها تقريباً؛ فارتباط الأم بشخص آخر يرهق الأطفال أكثر من ارتباط الأب؛ فالأم هي الأمان والاستقرار، وهي نبع الحنان والراحة. والعجيب هنا أن الغريزة والفطرة الأولى للمرأة هي الأمومة، على عكس الرجل الذي تُعد غريزته الأساسية هي البقاء؛ ولا أستثني هنا احتياج المرأة للجانب العاطفي، لكن الأولوية دائماً للأبناء..
مشاهدة الابنة لأمها في وضع شبه مخلّ جعلتها تخرج عن السيطرة؛ لم تستطع تصديق عينيها وكانت غاضبة جداً. وللأسف، فإن صديق الأم (أو زوجها، الله أعلم؛ حيث لم تتضح طبيعة العلاقة بين هذا الثنائي الإجرامي في المسلسل) حاول أن يشِّل حركة البنت خوفاً على وضعه فهو في موقف حرج للغاية، متزوج وأب ومدرس، والأم مطلقة ولديها ابنة. لكن البنت كانت في حالة هيج عصبي، مما أدى إلى حدوث شجار بالأيدي بين صديق الأم والابنة، نتج عنه وفاة البنت بسبب ضربة قوية في الرأس. هل لك أن تتخيل كيف أن عفوية الأم وجهلها وقلة حيلتها، واحتياجها للونيس والسند الذكوري، جعلها تسلم ابنتها له؟
ومن هنا عرفنا سر صمتها وكسرتها؛ فخلفهما صدمة وشعور بالذنب، ولومٌ على الأب الذي هو عمود البيت، والذي ترك رعيته بحثاً عن تجديد شهوته في مكان آخر. البنت دفعت الثمن وهو حياتها، وباقي البنات هن ضحايا إهمال، وبالأخص الإهمال العاطفي.
وعلى الصعيد الآخر، هناك مسلسل "حدث بالفعل" الذي عرض على قنوات CBC وMBC1. بطولة ماجد المصري، وبسمة حسن، وياسمين رئيس، و إخراج هشام الرشيدي، (حلقة ريش أبيض)، الذي يتحدث عن عائلة مثالية يُحتذى بها: أب مسؤول وناجح في عمله، وزوجة هيأت له عوامل النجاح والحياة الزوجية المستقرة. لكن هذه المثالية لم تستمر، وتصدعت بظهور نموذج غير مألوف للأب "راجح". فتاة صغيرة مقبلة على الحياة سرقت أملاك زوجها وحبسته بعد معرفته بخيانتها، أثارت انتباهه ولفتت نظره! وبعد معرفته أن زوجته تمتلك ورثاً كبيراً من والدها، وجد الذريعة التي ترضي أفعاله الدنيئة للغدر بـ "صفية". أول شيء فعله بموجب التوكيل العام هو أخذ ورثها من والدها، وكانت هذه هي الضربة الأقوى لها، والتي أسفرت عن إصابتها بجلطة. برر فعلته بأنها كذبت عليه، وبرر خروجه المتكرر مع "شاهي" بأنه يعيش حياته ويحبها! لم تلبث "صفية" كثيراً في هذا القهر والهوان حتى وافتها المنية، ولم يشعر الأب بالذنب على الإطلاق، فدائماً ما كان يبرر أنه لم يظلمها، بل كان يهتم بها أثناء مرضها الذي كان هو سببه !
نأتي هنا للنقطة نفسها: لقد سلّم بنته لـ "شاهي"، فتعلمت البنت كيف تصنع السعادة مثلما كانت تصنعها "شاهي" لوالدها، وهو الخروج عن المألوف والمتعارف عليه (كسر التابوه). البنت هنا ضحية أيضاً، لكن العقلية مختلفة نتيجة اختلاف الطبقة الاجتماعية والتعليمية والبيئة الداخلية تماماً عن القصة الأولى. الأم هنا هي الضحية، والأب هو الجاني، والبنت أخذت ثأر أمها؛ إذ خُلقت بداخلها ضغينة نفسية أفسدت عليها إنسانيتها ورحمتها، فنصبت نفسها الحاكم الذي يصدر حكم الموت على "شاهي" والأب بطريقة لا تدينها، عبر تخطيط تكتيكي قوي؛ فقد رأت أنهما يستحقان ذلك العقاب، ورأت أنها يجب أن تعيش وتكمل حياتها.
تقريباً، دمار الأسرة ليس كما يقال منذ نعومة أظافركِ بأن سببه المرأة، بل سببه الرجل القوّام، المسؤول، الكامل العقل والدين (من المفترض!)، الذي يستظل تحت جناحيه أفراد العائلة.
فهل هناك علاج أصلًا لهفوات منتصف العمر عند بعض الرجال؟ لقد أدركنا أنه لا يوجد وعظ ولا عبرة نافعة لهؤلاء المُغيَّبين؛ لأن المشاعر الإنسانية لا يمكن مناقشتها أو ردعها بسهولة. أنت ترى دروس وتجارب الآخرين، ومع ذلك تفعل ما ندموا عليه، ربما كان عليهم أن يسلكوا الدرب نفسه حتى يتعلموا بأنفسهم ولكن ندمهم في النهاية -اذا ندموا -لا يُثمر ولا يُغني.!
ومن هنا، أود أن أشكر كل أم أغلقت الأبواب على صغارها، وعزلتهم عن المساوئ، وجعلت الأسرة الصغيرة التي ينتمون لها بمثابة المجتمع والعالم الذي يقدم لهم الحب والرعاية والتعليم. بالفعل سيخرجون للعالم الكبير ضعفاء بعض الشيء، لكنهم سيكونون متسلحين بقيمهم وبوصلتهم، ولن يتأثروا بما يرونه أو يسمعونه، وهو خيرٌ من ترك أجيال ضعيفة لا تفقه عن الحياة شيئاً تتعلم من تجاربها القاسية، وربما لا يمكنها التعلم، بل تكون سببًا في هلاكهم لأنها لم تُبنَ بشكل جيد.
وأشكر كل من لعب دور الأب في غيابه، ومن لعب دور الأم في غيابها من الأهل والأقارب، أو ربما زوج صالح أو زوجة صالحة على فطرتها الطيبة. الأبناء أمانة، وهم جيل المستقبل؛ حتى لا نخلق أجيالاً تعاني من عقد الطفولة، يحملون صدماتهم على ظهورهم ويتعاملون من خلالها مع أجيال أخرى لم ترتكب ذنباً سوى أنها صدقت أن العالم بخير، وأن كل الآباء والأمهات يضحون من أجل أبنائهم.