القاهرة: الأمير كمال فرج.
في بحث علمي جديد يرجح أن يشعل موجة عارمة من الجدل في الأوساط الطبية والنفسية، زعم فريق من الباحثين أنهم توصلوا إلى اكتشاف غير مسبوق يربط بين التوازن الدقيق للميكروبات المعوية (الميكروفلورا) وبين النماذج السلوكية المرتبطة باعتلال النفس (السيكوباتية).
ذكر فيكتور تانغرمان في تقرير نشره موقع Futurism إن "السيكوباتية تعد بنية شخصية معقدة ومثيرة للجدل، تتسم بانعدام التعاطف، وضعف القدرة على التحكم بالسلوك، والنزوع نحو الأفعال المعادية للمجتمع، وصولاً إلى السلوكيات الإجرامية في حالاتها القصوى".
وفي حين وثقت الأبحاث السابقة تشوهات وتطابقات في الهياكل الدماغية للمسؤولين عن هذه السمات — بما في ذلك المسارات العصبية في قشرة الفصوص الأمامية — تأتي هذه الورقة البحثية لتقترح امتداداً جذرياً لتلك الروابط نحو الميكروبيوم البشري.
منهجية البحث والعينة المستهدفة
قادت عالمة الحياء الدقيق بجامعة بورتو، كارولينا كوستا، فريقاً بحثياً لدراسة هذه الظاهرة. وقد نُشرت النسخة "غير المحررة" من الدراسة عبر مجلة Translational Psychiatry.
استندت الدراسة إلى: مشاركة 200 بالغ: خضعوا لاستبيانات دقيقة ومصممة خصيصاً لقياس وتقدير السمات السيكوباتية بدقة، كما استندت إلى تحليل مخبري شامل، حيث تم جمع وعزل عينات من الدم، واللعاب، والبراز للمشاركين لتشخيص التركيبة البكتيرية بدقة متناهية.
النتائج والبكتيريا المرتبطة
أظهرت النتائج أنه على الرغم من عدم وجود ارتباط مباشر بين التنوع الإجمالي لميكروبات الفم والأمعاء والسمات السيكوباتية، إلا أن الأفراد الذين سجلوا معدلات أعلى في اختبارات السيكوباتية أظهروا وفرة ملحوظة وملفتة لثلاثة أنواع محددة من البكتيريا مقارنة بغيرهم:
أليسونيلا (Allisonella): رُبطت بالعديد من الأمراض البشرية، ووجد أنها تحفز الالتهابات التي تُعد "عاملاً رئيسياً في الاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب"، مما يشير إلى مسار محتمل يربطها باعتلال النفس.
بريفوتيلا (Prevotella): ترتبط باختلافات بنيوية في مناطق الدماغ المعنية بالمعالجة العاطفية والانتباهية والحسية، مسببة قصوراً في دقة ترميز السياقات الخاصة بالمنبهات الخارجية.
ك. إفريينسيس (C. evryensis): أظهرت ارتباطاً طردياً إيجابياً ملحوظاً مع درجات السيكوباتية، في مقابل ارتباط عكسي سلبي سجّلته بكتيريا ت. فينسينتي (T. vincentii).
التحفظات العلمية ومعضلة السببية
يقر الباحثون أنفسهم بوجود محاذير تجعل هذه النتائج موضع تساؤل حتى الآن:
حجم العينة: الاعتماد على عينة محدودة نسبياً ونتائج مستندة إلى إجابات ذاتية، مما يعرض الدراسة لاحتمالات التحيز.
التباين الجغرافي: اختلاف التركيبة الميكروبية تبعا للمناطق الجغرافية والثقافات الغذائية.
عقدة السببية المتبادلة: نظراً لأن طبيعة التواصل بين الدماغ والميكروبيوم ثنائية الاتجاه، فلا يمكن الجزم بأن الميكروبات هي التي تسبب السلوك السيكوباتي؛ بل قد يكون العكس صحيحاً. فالعوامل المرتبطة بالاعتلال النفسي — كالعادات الغذائية الفريدة، والاضطرابات الهرمونية، وأنماط الحياة — هي التي تصوغ تكوين ميكروبات الأمعاء بالأصل.
تبقى هذه الدراسة خطوة استكشافية جريئة نحو سبر أغوار السلوك البشري المتطرف، بانتظار مزيد من الأبحاث المعمقة لتفكيك هذه الشفرة البيولوجية المعقدة.