تسجيل الدخول
برنامج ذكاء اصطناعي من غوغل يكشف السرطان       تقنية الليزر تثبت أن الديناصورات كانت تطير       يوتيوب تي في.. خدمة جديدة للبث التلفزيوني المباشر       الخارجية الأمريكية تنشر ثم تحذف تهنئة بفوز مخرج إيراني بالأوسكار       الصين تدرس تقديم حوافز مالية عن إنجاب الطفل الثاني       حفل الأوسكار يجذب أقل نسبة مشاهدة أمريكية منذ 2008       تعطل في خدمة أمازون للحوسبة السحابية يؤثر على خدمات الإنترنت       حاكم دبي يقدم وظيفة شاغرة براتب مليون درهم       ترامب يتعهد أمام الكونغرس بالعمل مع الحلفاء للقضاء على داعش       بعد 17 عاما نوكيا تعيد إطلاق هاتفها 3310       لافروف: الوضع الإنساني بالموصل أسوأ مما كان بحلب       فيتو لروسيا والصين يوقف قرارا لفرض عقوبات على الحكومة السورية       بيل غيتس يحذر العالم ويدعوه للاستعداد بوجه الإرهاب البيولوجي       ابنا رئيس أمريكا يزوران دبي لافتتاح ملعب ترامب للغولف       رونالدو وأنجلينا جولي ونانسي عجرم في فيلم يروي قصة عائلة سورية نازحة      



بعد الأفروسنتريك.. ادعاءات بأن توت عنخ آمون كان أوروبيًا


القاهرة: الأمير كمال فرج.

لا يزال الفرعون المصري توت عنخ آمون يثير الجدل بعد أكثر من ثلاثة آلاف وثلاثمائة عام على وفاته، فبعد ادعاءات الأفروسنتريّة، التي تسعى إلى تقديم الحضارة المصرية القديمة باعتبارها حضارة أفريقية "سوداء"، ظهرت في الاتجاه المقابل ادعاءات تدعي أنها حضارة "بيضاء"، وتسعى إلى تقديم توت عنخ آمون بوصفه «أوروبيًا» من الناحية الجينية، مستندة بصورة خاصة إلى مزاعم حول انتمائه إلى السلالة الأبوية R1b1a2، وهي سلالة تنتشر اليوم بدرجات مرتفعة في أجزاء من أوروبا الغربية.. فما حقيقة هذه الادعاءات؟ وماذا يقول علم الحمض النووي القديم عن أصول المصريين القدماء؟.

ذكرت جين ريفيرا في  تقرير نشره موقع Medium  "على مدى أكثر من عقد، انتشرت ادعاءات أطلقتها شركة iGENEA السويسرية المتخصصة في تحليل الحمض النووي، وروّجت لها بحماس أوساط ذات توجهات «نوردية»، مفادها أن توت عنخ آمون كان ينتمي إلى المجموعة الفردانية للكروموسوم Y المعروفة باسم R1b1a2، وهي سلالة تنتشر اليوم في أوروبا الغربية".

ثم ظهرت عناوين صحفية من قبيل: «نصف الرجال الأوروبيين يتشاركون الحمض النووي للملك توت».إنها رواية جذابة وقوية التأثير، لكنها في الوقت نفسه مضللة إلى حد كبير.

من أين جاءت ادعاءات R1b1a2؟

في عام 2011، أعلنت شركة iGENEA أنها قامت بتحليل بيانات ظهرت في فيلم وثائقي تلفزيوني عن مومياوات الأسرة الملكية في العمارنة، وخلصت إلى أن توت عنخ آمون ينتمي إلى المجموعة الفردانية R1b1a2، التي يُشار إليها حاليًا في كثير من الأحيان باسم R-M269، وهي مجموعة فرعية من R1b تنتشر بكثرة في أوروبا الغربية.

لكن المشكلة تكمن في السؤال التالي: هل كانت بيانات الكروموسوم Y الأساسية المستخرجة من مومياء توت عنخ آمون متاحة أصلًا بدرجة كافية من الدقة لإثبات هذا التصنيف الدقيق؟

الجواب: لا.

فالدراسة العلمية الأصلية الخاصة بالمومياوات الملكية، التي قادها باحثون مصريون ونُشرت في مجلة JAMA عام 2010، لم تقدم التفاصيل الخاصة بتعدد أشكال النوكليوتيدات المفردة SNPs اللازمة لتحديد فرع فرعي محدد من R1b بثقة.

وقد انتقد عدد من علماء وراثة السكان تفسير iGENEA، معتبرين أنه تخمين أو استنتاج مضارِب، فاستنتاج مجموعة فردانية تفصيلية من بيانات منخفضة الدقة من STR، ولا سيما إذا كانت البيانات مستخلصة من رسوم ظهرت على شاشة تلفزيون، لا يُعد منهجًا سليمًا.

وفي علم الوراثة الأثرية، يتطلب تحديد المجموعة الفردانية للحمض النووي القديم وجود حمض نووي قديم موثوق، وظروف مختبرية مضبوطة، ونتائج شفافة لتحليلات SNP، وباختصار، لا توجد أدلة محكّمة تثبت أن توت عنخ آمون كان ينتمي تحديدًا إلى R1b1a2.

تاريخ المجموعة الفردانية R1b

لفهم سبب انتشار هذه الادعاءات، علينا أولًا أن نفهم ماهية R1b نفسها.

تنتشر المجموعة الفردانية R1b اليوم بدرجة كبيرة في أوروبا الغربية، ولا سيما في أيرلندا وإسبانيا وفرنسا وأجزاء من بريطانيا.

غير أن توزيعها الحالي يعكس تحولات ديموغرافية حدثت خلال العصر البرونزي، وخاصة التوسعات السكانية المرتبطة برعاة السهوب والهجرات التي وقعت تقريبًا بين 3000 و2000 قبل الميلاد.

وهناك نقاط أساسية يجري تجاهلها كثيرًا في النقاشات على الإنترنت:

•    لم تنشأ R1b في أوروبا الغربية.
•    كانت الفروع المبكرة من R1b موجودة في مناطق مختلفة من أوراسيا قبل وقت طويل من توسعها الكبير في أوروبا.
•    تظهر سلالات R1b أيضًا، وإن بنسب أقل، في أجزاء من غرب آسيا وشمال أفريقيا.
وحتى لو كان أحد فراعنة مصر في الدولة الحديثة يحمل شكلًا من أشكال R1b، فإن ذلك لا يجعله تلقائيًا «أوروبيًا» بأي معنى ثقافي أو بيولوجي أو تاريخي.

فالمجموعات الفردانية للكروموسوم Y تمثل خطًا أبويًا واحدًا فقط من بين آلاف الخطوط الوراثية التي يتكون منها نسب الشخص.وهي ليست تسميات عرقية.

كانت مصر القديمة تقع عند ملتقى جغرافي يربط شمال شرق أفريقيا بغرب آسيا. وتثبت الأدلة الأثرية وجود تفاعل طويل الأمد بين مصر وكل من بلاد الشام والنوبة وشرق البحر المتوسط.

كما تظهر بيانات الجينوم الكامل المستخرجة من مومياوات لاحقة، ومنها المومياوات التي دُرست عام 2017 في أبو صير الملق، أن المصريين القدماء كانوا يتشاركون قدرًا كبيرًا من الأصول الوراثية مع جماعات من الشرق الأدنى القديم، إلى جانب جذور شمال أفريقية عميقة.

ويتوافق هذا النمط مع ما أظهره علم الآثار منذ زمن طويل: لم تكن مصر معزولة، ولم تكن تركيبتها السكانية ثابتة أو جامدة.

ولو كانت السلالة الأبوية لتوت عنخ آمون تقع ضمن مجموعة أوسع من غرب أوراسيا مثل R1b، فإن ذلك سيكون متوافقًا مع ما نعرفه عن انتقال الجينات بين شمال شرق أفريقيا وجنوب غرب آسيا عبر العصور، لكنه لن يعني أنه كان يحمل هوية أوروبية تعود إلى العصور الوسطى أو العصر الحديث.

فالانتقال من القول إن «R1b موجودة اليوم في أوروبا» إلى القول إن «توت عنخ آمون كان أوروبيًا» يختزل آلاف السنين من التحولات الديموغرافية في رواية مبسطة.

ماذا تخبرنا عينة NUE001؟

هناك تطور أكثر أهمية بكثير لفهم التاريخ السكاني لمصر، يتمثل في التسلسل الجيني الحديث لفرد من عصر الدولة القديمة يُعرف باسم NUE001، عُثر عليه في نويْرات ويعود تاريخه تقريبًا إلى الفترة بين 2855 و2570 قبل الميلاد.

وعلى خلاف التخمينات التي غذتها وسائل الإعلام، يمثل NUE001 بيانات جينومية قديمة عالية الجودة من سياق أثري مؤرخ بشكل موثوق.

وتشير النمذجة السكانية لهذا الفرد إلى:

•    وجود استمرارية وراثية قوية مع جماعات شمال أفريقية قديمة في وادي النيل.
•    وجود مكوّن قابل للقياس، لكنه أقلية، من أصول مرتبطة بجماعات من الهلال الخصيب الشرقي.

وهذه النتيجة منطقية جدًا من الناحية الأثرية.

فمنذ عصور ما قبل الأسرات وحتى الدولة القديمة، كانت مصر منخرطة بالفعل في شبكات تبادل تجاري وصلت إلى بلاد الشام وما وراءها.

وكان من شأن التجارة والتنقل والهجرات الصغيرة أن تدخل تنوعًا وراثيًا إلى مصر قبل زمن طويل من عصر الدولة الحديثة.

وتظهر NUE001 أن المصريين القدماء كانوا متجذرين أساسًا في شمال شرق أفريقيا، مع مشاركتهم في الوقت نفسه في عمليات أوسع من تدفق الجينات بين المناطق.

وهذا النمط أكثر انسجامًا مع الأدلة المتعلقة بالثقافة المادية وممارسات الدفن والتجارة بعيدة المدى من الروايات العنصرية المبسطة.

مقارنة سريعة: إسبانيا وخطأ المجموعة الفردانية

تساعد مقارنة شائعة على كشف الخلل في رواية «توت عنخ آمون R1b1a2»، فقد خضعت شبه الجزيرة الإيبيرية لقرون من الحكم في ظل الأندلس بعد الغزو الذي وقع عام 711م لمملكة القوط الغربيين في إسبانيا.

ومع ذلك، فإن القائد الذي قاد هذا الغزو، طارق بن زياد، لم يكن عربيًا، بل كان أمازيغيًا من شمال أفريقيا. بل إن ما يسمى «الفتح العربي» نُفذ في جزء كبير منه على أيدي قوات من شمال أفريقيا.

ومن الناحية الجينية، وعلى الرغم من أن المجموعة الفردانية J1 شائعة في أجزاء من شبه الجزيرة العربية وتظهر بنسب منخفضة في إسبانيا، فإن السلالة الأبوية السائدة في إسبانيا هي R1b.

ولا يجادل أي باحث جاد في أن الإسبان لذلك «عرب»، لأن المجموعات الفردانية لا تحدد الهوية ولا تمثل مجمل أصول الفرد.

وينطبق الدرس نفسه مباشرة على توت عنخ آمون:

حتى لو كانت سلالة وراثية معينة مشتركة بين مناطق مختلفة، فإن ذلك لا يجعل فرعونًا مصريًا قديمًا «أوروبيًا». فالعلامة الوراثية الأبوية الواحدة لا يمكنها أن تلغي علم الآثار والتاريخ والأدلة المستندة إلى الجينوم الكامل.

 

من ينبغي أن يكون أقرب إلى توت عنخ آمون؟

إذا طرحنا سؤالًا جادًا في علم وراثة السكان: ما الجماعات الحديثة الأكثر احتمالًا لمشاركة توت عنخ آمون بعض أصولها الوراثية، فالإجابة ليست غامضة ولا أيديولوجية.

إنها جغرافية.

كانت مصر القديمة متمركزة في وادي النيل بشمال شرق أفريقيا، وكانت لها صلات طويلة الأمد مع:

•    وادي النيل نفسه، أي المصريين القدماء والحديثين.
•    النوبة، أي شمال السودان الحديث.
•    بلاد الشام، ولا سيما سكان جنوب بلاد الشام.
•    أجزاء من شرق البحر المتوسط.

وتظهر دراسات الجينوم الكامل للمومياوات المصرية القديمة باستمرار وجود أقوى أوجه التقارب مع جماعات شمال شرق أفريقيا وجماعات الشرق الأدنى القديم، وليس مع سكان شمال أوروبا في العصر الحديدي أو العصور الوسطى.

وهذا منطقي تاريخيًا، فقد كانت علاقات مصر الأساسية مع النوبة جنوبًا وبلاد الشام شمال شرقًا. وظلت التجارة والدبلوماسية والزواج بين الجماعات تسير عبر هذه الممرات لآلاف السنين.

أما الروايات النوردية الحديثة، فغالبًا ما تتخيل وجود صلة عميقة بين مصر الفرعونية وشمال غرب أوروبا.
لكن إسكندنافيا في العصر البرونزي ومصر في عصر الدولة الحديثة كانتا تفصل بينهما مسافات جغرافية وثقافية وديموغرافية هائلة.

وإذا كنا نتحدث علميًا، فإن الجماعات التي يُرجح بدرجة أكبر أن تشترك اليوم في بعض أصولها مع توت عنخ آمون هي:

•    المصريون
•    سكان شمال السودان
•    سكان بلاد الشام

وليس الإسكندنافيين، ولا سكان أوروبا الغربية، فعلم الوراثة يتبع طرق الهجرة والجغرافيا، لا سياسات الهوية الحديثة.

الدرس الأكبر: يُحدث الحمض النووي القديم ثورة في علم الآثار. لكن قوته تكمن تحديدًا في كونه حذرًا، ومرتبطًا بسياقه التاريخي، وقائمًا على الأدلة.

 

قصة تحذيرية

 

تشكل قضية «توت عنخ آمون R1b1a2» قصة تحذيرية. فعندما تخرج المصطلحات الوراثية من سياقها العلمي، يمكن إعادة توظيفها لخدمة روايات أيديولوجية حديثة لا تدعمها الأدلة الأثرية.

وعلى النقيض من ذلك، تظهر عينات مثل NUE001 كيف يمكن لعلم الجينوم القديم، عندما يدمج مع علم الآثار، أن يقدم رؤى أكثر دقة وتعقيدًا، من بينها:

•    وجود استمرارية إقليمية طويلة الأمد في وادي النيل.
•    وجود روابط مبكرة مع غرب آسيا.
•    تاريخ سكاني معقد يقاوم التصنيفات المبسطة.

لا يحتاج توت عنخ آمون إلى أن يكون «أوروبيًا» حتى يكون شخصية ذات أهمية تاريخية.

كما أن مصر القديمة لا تحتاج إلى ملكية خارجية لتفسير إنجازاتها. فالقصة الحقيقية، القائمة على علم الآثار وعلم الوراثة والدراسة العلمية الدقيقة، أكثر إثارة بكثير من الأسطورة.

تاريخ الإضافة: 2026-08-18 تعليق: 0 عدد المشاهدات :75
1      0
التعليقات

إستطلاع

مواقع التواصل الاجتماعي مواقع تجسس تبيع بيانات المستخدمين
 نعم
69%
 لا
19%
 لا أعرف
12%
      المزيد
خدمات