القاهرة: الأمير كمال فرج.
منذ أن شرع علماء الأعصاب في تشريح العقل البشري سعيًا وراء الجذور الخفية للوعي، ظل قطاع واسع منهم أسيرًا لفرضية واحدة راسخة؛ وهي أن الوعي ليس سوى وظيفة بيولوجية بحتة يفرزها الدماغ.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشره موقع Futurism إن "هذه الفرضية تبدو بديهية للوهلة الأولى، فنحن كبشر نتمتع بالإدراك والشعور، بينما تبدو الصخور والتراب وسائر الموادة الجمادية خالية من أي ومضة وعي".
إلا أن هذه المسلمة التاريخية تقف اليوم على حافة الانهيار. فخلال مؤتمر حديث لعلوم الأعصاب عُقد في البرتغال، أطلق عالم الأعصاب البارز في معهد ألين، كريستوف كوخ، تحديًا جذريًا يقلب الموازين العلمية، مفاده أن الوعي قد لا يكون نتاجًا للمادة الرمادية فحسب، بل هو صفة أصيلة وخاصية أساسية من خصائص الكون بأسره.
خارج أسوار المادة
في مقال جديد غير منشور اطلعت عليه مجلة ScienceAlert، يسدد كوخ طعنة مباشرة للتوترات التقليدية في حقل البحث العصبي، معتبرًا أن المجتمع العلمي يبحث عن سر الإدراك في الوجهة الخاطئة تمامًا.
يكتب كوخ متساءلًا: "لا شيء في العلم يفسر كيف لثلاثة أرطال من المادة، وهي مجرد جزء من مكونات الكون وعناصره المادية كأي قطعة أخرى تخضع لنفس القوانين الطبيعية، أن تحب أو تكره أو تحلم أو تتخيل أو تخشى أو تأمل في مستقبلها".
ولفك هذه المعضلة الفلسفية، يرى الباحث أن العلم بات بحاجة ماسة إلى التخلي عن قرون من التراكمات المادية، والعودة إلى الجذور الأولى للمثالية الفلسفية؛ حيث يُنظر إلى الوعي لا كمنتج جانبي لظاهرة فيزيائية داخل الجمجمة، بل بوصفه البنية التحتية والركيزة الجوهرية للواقع نفسه.
بين التجربة الذاتية والمنهج العلمي
لكن الانتقال من التنظير الفلسفي إلى إثبات هذه الفرضية بمختبرات التجريب يبدو دونه خرط القتاد.
يمتلك كوخ رصيدًا بحثيًا ممتدًا حول هذه المسألة يعود إلى عام 2016، وتستمد هذه الأطروحة جذورها العميقة من تجربة ذاتية غيرت مسار حياته على شاطئ البحر قبل عدة سنوات؛ حيث تلاشت تمامًا "الحدود الفاصلة بينه وبين العالم الخارجي"، ولم يتبقَ سوى شعور طاغٍ بالخلود، وصفه بأنه التجربة الأعمق والأكثر مغزى في عمره.
وعلى الرغم من الرمزية العميقة التي تمثلها تلك الرحلة الشاطئية في مسيرته، يحرص كوخ تمام الحرص على عدم اتخاذ تجربته الذاتية دليلًا تجريبيًا حاسمًا. وبدلًا من ذلك، يكتفي بالقول إنها وسّعت مداركه نحو مفهوم العقل الكوني الشامل، موجهًا دعوة صريحة للمجتمع العلمي لإعادة تشريح الفرضيات الأساسية الحاكمة لدراسات الوعي.
ويختتم كوخ بالقول: "المهمة الأهم للمستقبل هي أخذ هذه الرؤى وترجمتها إلى فرضيات قابلة للاختبار التجريبي".