القاهرة: الأمير كمال فرج.
في ظل الثورة التكنولوجية المتسارعة، تحولت أدوات الذكاء الاصطناعي إلى عصا سحرية يعتمد عليها الطلاب لإنجاز فروضهم المدرسية في لمح البصر. لكن خلف بريق الدرجات المرتفعة والسرعة الفائقة في الإنجاز، يختبئ فخ خطير يهدد البناء المعرفي للأجيال القادمة.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن "الأبحاث الجديدة ترسم صورة قاتمة حول تداعيات الاستخدام المتفشي للذكاء الاصطناعي على الأداء الأكاديمي. ففي دراسة واسعة شملت ما يقرب من 27000 طالب في الصين، تتراوح أعمارهم بين 12 و 18 عاما، أقر نحو 80 % منهم بالاعتماد على نماذج مثل DeepSeek و Doubao التابعة لشركة ByteDance. "
وتشير النتائج التي توصل إليها باحثون من جامعة ستوكهولم وجامعة هونغ كونغ، والتي نشرتها صحيفة The Economist، إلى مسار مقلق للغاية. فبعد مرور ستة أشهر، شهدت درجات الواجبات المنزلية للطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي قفزة بنسبة 18% في جميع المواد، وانخفض الوقت المستغرق لإنجازها بنسبة 30 %.
لكن السؤال الجوهري هنا: هل كانوا يتعلمون حقا، أم يتخذون من التكنولوجيا عكازا للعبور السهل؟ الإجابة جاءت صادمة، إذ سجل هؤلاء الطلاب درجات في الاختبارات الشهرية أقل بنسبة 20% مقارنة بزملائهم الذين اعتمدوا على مجهودهم الشخصي.
وهذا الواقع ينسف عقودا من القواعد الأكاديمية الراسخة التي كانت تربط بين التفوق في الواجبات والنجاح في الامتحانات، ليصبح من يفترض أنهم الأوائل، هم الأسوأ أداء عند مواجهة أوراق الاختبار الصارمة.
صدمة في القاعات الدراسية.. كشف المستور 🏫
بالنسبة للأكاديميين في الميدان، لم تكن هذه المعطيات مفاجئة. فقد لاحظ أحد أساتذة جامعة براون خلال العام الدراسي الحالي أداء استثنائيا ومريبا لطلابه في امتحان نصفي منزلي، حيث تجاوز متوسط الدرجات حاجز التسعين، وحصد نصف طلاب الفصل علامات كاملة.
ودفعت هذه النتائج الأستاذ إلى مواجهة طلابه بشكوكه حول الغش الممنهج، مقررا تغيير قواعد اللعبة بعقد الامتحان النهائي حضوريا داخل القاعات. وجاءت النتيجة لتؤكد صحة حدسه، حيث انهار متوسط درجات الامتحان النهائي إلى 48% فقط، بعد أن كان يحافظ تاريخيا على مستوى لا يقل عن 65% . والأكثر إثارة للدهشة أن العشرات من الطلاب غابوا عن الامتحان النهائي، وكان معظمهم ممن نالوا العلامة الكاملة في الاختبار المنزلي.
خمول دماغي وضعف في التفكير النقدي 🧠
تتجاوز الأزمة حدود الدرجات الأكاديمية لتصل إلى التأثيرات المعرفية العميقة. فقد أظهرت دراسة أجراها معهد MIT أن الطلاب الذين استعانوا بالذكاء الاصطناعي لكتابة مقالاتهم سجلوا نشاطا دماغيا أدنى مقارنة بأقرانهم الذين اعتمدوا على أنفسهم.
والأسوأ من ذلك، أن مستخدمي التكنولوجيا عجزوا عن تذكر محتوى مقالاتهم أو الاقتباس منها لاحقا، وعندما طُلب منهم الكتابة دون مساعدة، ظل نشاطهم الدماغي في حالة خمول. وتتلاقى هذه النتائج مع دراسات أخرى تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يضعف ملكة التفكير النقدي ويرتبط بتراجع الذاكرة.
وتنسجم هذه الدراسة الأخيرة بشكل وثيق مع التحليلات المعرفية السابقة، حيث تركزت أسوأ الخسائر التعليمية في مواد العلوم الاجتماعية، تليها مقررات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات واللغات. ومن المفارقات أن الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي واستغرقوا نفس الوقت المعتاد في حل الواجبات، تعرضوا لخسائر معرفية أقل، رغم عدم نجاتهم منها تماما.
تضخم الدرجات وأزمة التقييم الأكاديمي ⚠️
يضيف هذا الواقع أبعادا جديدة للمخاوف المتعلقة بظاهرة تضخم الدرجات التي اجتاحت المؤسسات التعليمية مؤخرا. وتكشف الأبحاث الحديثة أن نسبة الحصول على تقدير امتياز في المقررات الجامعية الأكثر عرضة لتدخل الذكاء الاصطناعي، وخاصة في مجالات العلوم الإنسانية والهندسة، قد ارتفعت بنسبة 30% منذ إطلاق نموذج ChatGPT، مما يضع مصداقية التقييم الأكاديمي بأكمله على المحك.