القاهرة: الأمير كمال فرج.
تتجه البشرية بسرعة متسارعة نحو مستقبل تُمكّن فيه تقنيات AI التكنولوجية من فرض هيمنة مطلقة تحول المجتمعات إلى ما يشبه "المزارع الصناعية للبشر"، وفق تحذيرات أطلقتها المؤرخة والباحثة البارزة في Harvard University جيل ليبور.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism أن "جيل ليبور كشفت في مقابلة عبر بودكاست Hard Fork الذي تبثه شبكة The New York Times، عن أبعاد مفهومها حول قيام "دولة اصطناعية" جديدة بدأت تتشكل تدريجياً لتحل محل الدولة القومية التقليدية والديمقراطية الدستورية، عبر تقويض الاستقلالية البشرية ومحو الإرادة الحرة للأفراد".
تفكيك "الدولة الاصطناعية" وإلغاء إرادة الشعوب
أوضحت جيل ليبور خلال المحادثة أن النظام العالمي الناشئ لا يُدار وفق موافقة الشعوب أو خياراتها الوطنية، بل عبر آلات مفكرة تتخذ القرارات نيابة عنها، مشيرة إلى أن هذه الأنظمة الذكية تخضع بالكامل لسيطرة الشركات الكبرى.
وأكدت المؤرخة الأمريكية أن معالم هذه الدولة الاصطناعية لم تكتمل بعد، لكن بناءها يجري بفعالية وتصميم في واقعنا اليومي، حيث تعكس رؤية خيالية تسعى إليها نخبة نافذة في Silicon Valley لفرض سلطتها فوق الحكومات المنتخبة وإرادة الناخبين.
وتتناول جيل ليبور هذه القضية بأبعادها التاريخية والسياسية في كتابها المرتقب The Rise and Fall of the Artificial State، مشيرة إلى أن الخطاب السائد حالياً يتجاهل رغبات المجتمعات الحقيقية، قائلة: "إن الناس في واقع الأمر لا يريدون فرض تقنيات AI ولا يرغبون في توسيع مراكز البيانات في أحياء سكناهم، وهذا ما يخلق الأزمة الحالية بين تطلعات الشعوب وفرض الحلول التقنية رغماً عنها".
تأثير المزارع الصناعية والعزلة الرقمية
وانطلقت جيل ليبور في طرحها من تساؤل جوهري يواجهه الأفراد يومياً عندما يُجبرون على التفاعل مع أنظمة الدعم الآلي للحصول على إجابات لمعاملاتهم الأساسية: "من الذي قرر أن هذه هي الطريقة التي ينبغي أن نعيش بها؟".
وبيّنت أن الدولة الاصطناعية تمثل ارتداداً عن المكتسبات المدنية والحريات، حيث تُستبدل الوظائف السيادية للدولة بشركات تجارية تسيطر على البنية التحتية للاتصالات الرقمية. فبعدما كانت وسائل الإعلام التقليدية كالإذاعة والتلفزيون تنقل الأخبار، أصبحت المنصات الرقمية اليوم تؤدي دور الوسيط المباشر في تشكيل الوعي السياسي وتوجيه السلوك الانتخابي.
وحذرت جيل ليبور من أن هذه البنية الرقمية تفرض عزلة شديدة على الأفراد، مشبهة إياها بعمليات التجميع والتصنيف المتبعة في المزارع الصناعية، مما يترتب عليه تفكيك المجتمع البشري وتعميق الاغتراب الاجتماعي وتدمير الروابط الإنسانية.
سقوط خرافة الحتمية ومغالطات التكنولوجيا
ورغم أن الذكاء الاصطناعي ليس المحرك الوحيد لظاهرة الدولة الاصطناعية، فإنه يسهم في تسريع كفاءتها بشكل مقلق؛ حيث يلجأ الأفراد لاستشارة نماذج مثل ChatGPT لمعرفة لمن يصوتون بدلاً من الحوار المباشر مع جيرانهم أو الخبراء المحليين، في حين تُكتب الرسائل السياسية وتُتخذ القرارات الإدارية بمساعدة الآلات، إلى جانب تعميق آليات المراقبة ومعالجة كميات ضخمة من البيانات الشخصية.
وانتقدت جيل ليبور الخطاب المروج في Silicon Valley الذي يصور تقنيات AI كقدر حتمي لا مفر منه، واصفة هذا الطرح بالمغالطة الباطلة التي تستند إلى ادعاءين غير صحيحين:
الادعاء الأول: أن القوانين والتنظيمات الحكومية تعيق الابتكار، مما يتطلب رفع الكوابح عن تطوير الذكاء الاصطناعي.
الادعاء الثاني: أن التكنولوجيا تخدم الديمقراطية تلقائياً، وأن التهديدات الحالية ستعالج نفسها بنفسها.
وأكدت جيل ليبور أن التاريخ الحديث أثبت بطلان هذه الوعود التي سبق تقديمها عند إطلاق الكمبيوتر الشخصي والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، داعية إلى ضرورة التمسك بالإرادة البشرية وحق المجتمعات في تقرير شكل الحياة التي ترغب في عيشها.