
إهداء لبنات ونساء بلادي وقد أُخذن على غير انتظار على نحو يفوق الخيال
أشرب من دوديَّ بحراً لكن أجمل مني لا
من ضحكتي سينبت الأجاص في الحجر
في ضحكتي يرقص لي العبير، مرجة الليمون، رفة الحمام فوق برجنا العتيق.
- ماذا يقول الباب للنوافذ؟
- أجمل مني لا.
- ما الذي تقوله الدودات للحرير؟
- أجمل مني لا
- ما الذي تقوله الخيوط لللباس؟
- أجمل مني لا.
- ما الذي يقوله الينبوع للأمل؟
- أجمل مني لا.
- ما الذي تقوله الأجراس للصباح؟
- أجمل مني لا.
- ما الذي يقوله الخلودُ للزمن؟
- والأنسُ للسكون؟
- أجمل مني لا.
- أجمل مني لا.
- والجدول المنسي في القمم؟
- قال لا. أجمل مني لا.
- والماء للبجع؟
- قال لا. أجمل مني لا.
والآن تقبل الأفواج إذْ تجئ راية السواد.
- ماذا يقول القبرِ للقبور؟
- أجملك منك لا في حفرة الخجل.
المشعلُ الشحيح في ظلاله ارتعد،
والجسد النحبل مرهق في ظله انطوى
في الليل هاهنا في ثنية الخجل
هذا المشعل الصغير مال واتقد؛
صار مشعلاً فمشعلاً فمشعلا.
مشاعلَ حييَّةً وزيتها الأبدْ.
لأجلها تضيء،
لقبريَّ المحفور في الخجل.
لي قلبيَّ والمسحة التي تطال الأنف والأكف والشفاه،
المسحة التي تعمد القدر.
هاهنا الترابُ والدموعُ والرمادُ والصخورُ والحجر.
2
لكم تؤكلُ الأحلام!
البنتُ بعد البنتِ تثقبُ،
تذبحُ،
كونٌ من الصرخاتِ ما بين الذرى والسفحِ؛
والرايةُ السوداءُ تخفقُ تحت أغنيةِ القمرْ
بين مضارب المرعى الأخيرْ تخنقُ ليلها أو ترفعُ القربان
في نزوة الوحشِ الذي في خطوه تداهسُ الحيواتُ،
تداهسُ النبضاتُ في شريانِ أفئدةِ البنات؛
وحشُ قروننا الوسطى تمطَّى أم تغدَّى أم تراه من نزاقته يطاعنُ ثم يولجُ راهزاً أو راعفاً في الشقِ من جبلٍ منيفْ؟
أو قل بلى إذ ها هنا في عنقِ ذا القبرِ
القبر المملَّحِ بالدماء،
هاهنا في المرقدُ الأبديُ تلمعُ السكينُ سكينُ السواد وتظلُ ترمحُ في الشِعاب،
تعملُ بين أفخاذِ البنات،
بناتٍ كن ورداً في ترانيمِ الوعود.
كوكبُ الصيفِ الحسير ما تغنى ثم غابْ،
النجمُ لملمه السحابْ
...،
وإنها لعشيّةُ الخجلِ الحزينْ.
قبر يرفُّ الآنَ
بين أقواسِ الفراغْ
ألمٌ تعلق بالسحاب.
3
أقول لكم: عندما كان بيتيَ في عطفة جبلين
كان اسمُ شارع بيتيَ: دِفلى العشي وسوسن نجمٍ غميزٍ وليلكةٌ للقمر
شارعي وردهُ صخرهُ، ومعابرُ في ظلها يصدحُ الزمنُ المتجمّلْ
لشارعِ بيتيَ رمانةٌ حَبُّها من نبات الليالي
دكان ناصيتي ها يبيع الرفوف الطليّة بالخضرةِ
مروحةً من مراوح ليل الندي
يعلِّبُ ضحكاتِه في وضوح النهار
ما كان لليل إلا يكوْن
ما كان إلا المَخادع: حسناء في عطفات البيوت التي نسجُها من سعوف النخيل،
من كل غمْزاتِ نجمٍ
يا لعُرفَ خيولي الخجولة وهي تغضُّ العيونَ، يرمم عِرقاً ككهفٍ
يدق الدفوف لأعدائه، يسوِّي الحبال لسرجٍ من الجلد، يصعدُّ شوق الليالي كيما يتابع حلميَ نور العروج.
صخرهُ شارعي رسمتْ ملامح نبعها الأملي
كي تغسِّل فجرها إذ خبَّ هذا الحينَ بين منابع الأشجار،
راجلاً ها قد مضى للصوت فجر للهدى في شارع البيت الرحيم
لشارعي ذَا الجسمُ، هذا العطرُ والظلُّ الممدَّد
من مرجة الحجر المزينِ هاهنا لملاعب الولدِ المسيَّجِ ها هناك والأولاد!
يا روعة الأولاد قد كبروا
لمقدمي قد زيتوا الشَعْرَ الوسيم
مسَّدوا من جرأة في شاربٍ
سرّحوا بيَدٍ تلال حواجب
يا لروعتهم وهم يتغامزون العين في وقت التياعْ
ينفثون التبغَ فهلوةً
تَزرقُّ في الغزل البهيج، موقد الغزل المرصعِ باحمرار الجمر رشْقات العيون
يكتبون الشعر ليلاً
يصرخون الحب أشرطةً تعلِّق لونها ما قبل منتصف النهار
يا روعة الأولادُ
هاهنا في الملتقى من مسرح الأمل المنيف!
في شارعي إذ كل شيء كان لي في رقة الغزل العفيف
كل لحظٍ كان حيناً يتّقد
وليلما ضربتْ بروقٌ والبَرَدْ
لم يكن إلا حُداءً بازخاً في إثْرهِ قد يطلعُ الأملُ الأكيدِ
لكلِّ أسرار السماء.
4
نبعة الندى موجها الصدى دار وانقضى
نبعة الحرير حفَّها الشعير
ذلك الذي من نبضة الوريد عبّ واغتذى
نبعة الرضا التي يخوضها البدين إذ يهيج خائراً في حمأة الأذى
ظله العسير رفة المصير
راية السواد تزحم المدى
فوق حدة الصخور حدة الرياح والصراخ والحجر
سَنَّ سيفَهُ القدر
تمخط القرون كالقراد حك جلده وحث نزوة الضرير في الحلك
في خمرة العبير خبَّ واستحبَّ لمعةَ الصبا
في ليله العنيف سار وانتشى
طار واعتلى فخدّ نبعيَ العفيف
كل قطرة يئزُّ عظمها وضلعها الرهيف
صال واعتدى يمدُّ أو يردُّ طعنة القضيب دكة الشبق: يروح أو يجئ ...، يا لنبعة الحرير سرها انفتق.
في الصبح صلصلت في صخرها نبعة الإله في الأملْ
شربة البغال رعشة اللجام ربطة البطان عقدة الخجلْ
نبعة مفتوحة ككوة الرياح ظلها كهشّة الرعاة في المضاربِ
هبّة الهواء قادماً من نعنع البنات من مراقد الأحلام
عزفةُ الديوك لحنَها ليومها لتضربُ الجناحَ
والنساءُ ها نهضن نحو مطبخ بآخر الفناءِ
يا لقرسة المذاق هذا الروب واللبن!
الشاي بالحليب رائعٌ وطقطقات البُنِ حبةً فحبة في موقد الزمن والصندل الهندي
في المجمر العتيق أحمرُ اللسان
في حقلها تغنّت العنادل
بسمة الفلاح وحدها تجرّح التراب بالأحلام بالمحراث بالحصى تخلل الحروف خضرة الحديث عطفة الأملْ
في ضحكة الضحى لبلابةِ الجدارها نافورةِ البيوت رقةِ النهار إذ يذوب فانحدر
ضج في الشعاب مثلما في حافر الوعول في التفاتة الغزال
في شوك ذاك القنفد الرشيق
نطة الآذان عند أرنب غفى
في رغوة اللآلئ العصية العيونْ
بتلّة تلامس الفراش أو تهشّ لارتعاشه الحميم
هنا في أفقها تعرت الرسومُ والظلالْ.
لغلغ الأصيل لحنه في نبعة الإله بعدهُ
ترجَّل العشيُ فوق جدولِ المساءْ
تنزَّل الملاكُ سال عطفه من قبة السماءْ
تعلق النداءُ تحت سرب نجمنا الأخيرِ تحت ظل جبلٍ أثير تحت كوكب ملون الشعاعْ
مِن بغله ترجَّل القمرْ
هلل الإفريز عند نومة النوافدِ
يشعلُ الصباح يقدح الشهور في الفصولْ.
بابنا الصغير مال واتكأ
بابنا المنحوت جاءنا من غابة الحطب.
5
سودانُ
يا أيها الأملُ الحزين
من سرة الغيمات أمطرك السواد
أهداك كوماً من لظى
سكّينةً قد أتقنت فن المذابحْ
رجلاً أجاد الشرَّ والهتْكَ القبيحْ
يا لأعراض البنات
يا أيها البلد ُ الحزينْ
أنت يا حصني العزيزْ
أين أهلي؟ أين هجَّت كلُ جلساتِ الصحاب؟ رحلوا أم مات الجميعُ؟
ليس إلا المقبرةْ
الحمراءْ
هنا في بيتيَ المشؤومِ
في الوحدة الحمراء تغرقْ
صهد الصدى ها قد خلت منه الشِعابْ.
في قبريَ المسبيِّ تُقبل الحياة مثل كوكبِ العشي
القبرُ منزلي والصيفُ والخبيزُ والأيامُ والندى
هنا لأجليَ الفراشةُ الحمراء تمسك الفرشاةْ
تلوِّن الصخور عبر الحكي بالعبير بالنزق
لأجلنا تكون صدعة الأمل
لأجلي النحلةُ تشعل الشموع من زهورنا
تكتب العبير قطر ضحكة العسل
يا لشارع الأمل! ما تراه فاعلاً في ساعة الحريق ساعة الدوي ساعة الرصاص غيبة الأهَل؟
متى قُبضتُ أو متى جرى يهزني الرجل؟
حزامٌ وثوبٌ وسكِّينةٌ من سوادٍ
تماثيلُ وشحها ثوبُ هذا الحداد
للقبر عينٌ
في غورها بعضُ ضوءٍ
وغيماتُ يجنح من ظلها حُلم طير
للقبر خدٌ يضئ
خصلة من طري النباتِ
عشب جؤوانة من أطاييب أمسي ونفحُ ندٍ
في القبر ثديٌ بخيل، ثديٌ كناتئ قرن
يخفق ثديٌ لم يفتهم بعدُ وعرَ العطاء.
6
الليلُ أمعنَ
مقبرةٌ حمراءُ أسهر الحديث جرحها
ماذا جرى من بعدها مذبحة الخجل؟
تحت التراب تحت الصخر وردةٌ حمراء في خصلتي السوداء
جارتي في القبر تعبثُ، وأخرياتٌ قد شرعن في الغناء!
يا رب كم مضى من الزمان
في هذه المقبرة الحمراء؟
صهٍ! فهذه ثالثة تسمع أو تجهش بالبكاء
تصرخ والحِمام في عيونها الجميلة كالراية السوداء
ها رجلٌ عرَّى قوامَ النبتة الحلوة
من طي وردة الحياةْ.
7
لكن أجمل مني لا
لم يعرف الناس جميلىة في عطفة الأمل،
لا شارعي
لا السنونة التي توقع السماء كلمةً
في وردة الكراس لهبةً في مخزن الطبشور
وتشعل النجوم من حديقة القمر.
لكن أجمل مني لا
ويخبز الخباز خبزه من ضحكتي،
يلبس العصفور ريشه والبرق يفتح السماء والنحل يعرش الأمل.
8
هاهنا الرجل، ذلك الذي في مهبل البنات دفقه الأثيم –رعبه عمامة سوداءُ لحية كأسود القتاد ظلها رجيم.
هاهنا سكينة وحدَّها الصبا،
من جسمها النحيل ذاب قطرُ طيبها وراح فانهمر.
القبر قبرها
لي قبرها
في صمتها الصخور تحفظُ الجمال، تنام عنده،
تهاب لمسة الضياع في لياليَ القضاء
لأنها من أجله ستوقد الخلود خلسةً في لمعة الدموع.
هذا القبر حضنها ووردها ومهدها لعذرةٍ وهتكها دماء
ثلاثة وعشرة يا عمر هذه الفتاة:
لا تعرفين كلمة النكاح
ما عرفت غير طائر الخيال حين قدك السواد،
مص منك أخضر الشفاه،
تصيد النهود طاعنا بشيئه الغليظ قاطعا من فخدك العروق.
9
في بطن هدا القبر رعشة البنات،
قلبٌ له حكاية الشفا: قبرهن،
أيها المحفور في أسافل الأمل: قبرهن أيها المنذور للمرايا المتربات لارتجاعات العصافير التي تغني موتها ما بين أفرع الحياة
عند مفرق الحديث للهوى.
10
قبرهن يا أيها الموصودُ بالفراش حينما يرن مرجل الصدى،
بلهب الحكاية التي قد شرقت من قطرة الندى.
آه من صيف السواد من مقبرة تنام عمرها في نتقة الخجل.
سودانُ أيها الغريقُ في عميق شهقة السواد،
سنودانُ ملؤك الوحوش والخدودشُ والسلاح،
يا وحدة الذي قد أدمن الجنون والضياع.
أما من شِعبك الأخيرِ يومها قد نشَجَت في رعب صمتها نزيفَ عرقها من بعدما قد سلكتْ دروبَها الديار؟
مهدودةَ السقوف أو منزوعةَ النهار!
تخطت القضاء من وراء
سال تحتها من عمق كل ركنها من شق كل بابْ: دمعُها وصهدُها
ذلك الذي قد شبَّ فاستشاط ثم أحرق الهواء.
سودانُ عمَّك السوادْ هدك الدوي من مدافع القرون أو قذائف الظنون
بنادق السباة تكتب الحريق.
11
الآن يا لريحك التي ها تطرد الظلال في ارتعاشة الصباح أو في ريشة الجناح
تشق بالسلاح صقر صيفك اللطيف!
وإنه لزمن تخب لي من هاهنا خُطاه لكنها تتوه أو تضيع
في شِعبك المقفر مثل مخدعٍ بلا فراش،
في مخدعٍ سليب ظله في دهره لم يعرف الحُلُم
ذا الخوفُ يمشي واثقاً من فوق صخرةِ الزمن
بآخر المكان عند سدرة شجرةٍ بآخر الشعاب
ترفد الأسى تضج بالأنين
تفارق الغصون
لأنها مريضة عجوز؛
يا لبؤسها لكم تصيب قبضةٌ من غرسها
فكرة كم تسكن الكيان!
وهذه الذكرى التي ها تأكل الفؤاد بالوخزات والهموم.
للبغل حافر يموت،
النحل غادر الصدوع،
النجمُ غادر السماء
فيا لحزنك المكين حزنك المنذور للسواد.
أتذكرين ضحكة مرت بها البنات؟
يا لغيبة البنات صرن للقبور
تلك التي منهن فيها دبت الحياة
سودان يا …
يا قبرها المحفور في فؤادها في ليلها في سرها المدفون في منابع الصبا
يا لقمرك الضرير تناغيه نتقة صخرك المرير.
12
يا لقبريَ المنسي في ارتجافة الكواكبِ كواكبِ العشي رعشة النثيث حمرة العويل-فيض العيون الراعفة.
تبدَّد العشي؛
للسبايا خفقة الأموات أسودٌ موالها يلوح عند ثنية الوداع
في هدأة الثلث الأخير،
حلوة شفاهٌ هده السبايا
في كل شق أحمر عليه فصدةٌ من حصوةِ التراب
هاهنا خوف والتياع هاهنا قسرٌ وجرحٌ في كل خد مترع من نبع الحياة
موتةٌ مرتعى هنا.
ها هنا يوم السواد؛
سكينة الوجه الذي لفعه السواد.
القبر بيتنا تقول عند شدوها في كل أيامِ البنات
مقبرة البنات! يا لحر كبدها وأصناف الحجر!
إن هي إلا هوةٌ في سفح هذا الخجل
لكنها أوسع من أسطورة تملؤها الرياح
يا لفرحة القبور أحيت الحسان ليلها
من أجلهن قد يستلطف الليلة هذا الموت موته.
العطر راح فاستفاقْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد سليمان الشاذلي روائي وقاص وإعلامي سوداني بريطاني. حائز على جائزة الطيب صالح العالمية للآداب وعدد من الجوائز المحلية والعالمية.